شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٤٠٢ - البحث الثالث فى تشريح الثّرب
أيضا أن يكون/ بذاته حارا و إلا لم يمنع الحار الآخر من زيادة تسخين المعدة، فلا بد من أن يكون/ بذاته باردا، و لا يمكن أن يكون كذلك. و هو لا يقبل التسخين بسرعة و إلا لكان يبرد المعدة بالملاقاة مع منعه لتسخين الحار الآخر الذى ليس بملاق فلذلك لا بد للمعدة من جوهر حار شديد الحرارة يوضع أمامها و لا يلاقيها و من جوهر آخر بارد يقبل أن يلاقيها و مع ذلك يقبل الحرارة من الحار الخارجى و من غيره فيسخن المعدة باعتدال [١] فلذلك جعل قدام المعدة عضلات البطن و هى شديدة الحرارة لأنها كثيرة اللحم و جعل خلف كل هذه العضلات جسم آخر بارد بذاته شديد القبول للتسخن بغيره و ذلك هو الثرب فإن هذا الثرب فيه عروق كثيرة فهى تفيد حرارة يسيرة و جوهره شحمىّ فهو بذاته بارد و لكنه بدهنيته و دسومته يقبل التسخن بغيره كثيرا فلذلك مجموعه و إن كان بذاته قريبا من الاعتدال و إلى برد فإنه يقبل من الحرارة التى يستفيدها من غيره و هو تسخن المعدة سخونة معتدلة لا تضرها فى جودة الحس و ذلك يعينها على الهضم، و الذى يستفيد منه الشحم هذه الحرارة هى العضلات التى أمامه هذا هو السبب التمام [٢].
و أما السبب المادى لذلك فإن العضو الذى يلاقى المعدة هو لا محالة بالقرب من مقعر الكبد فلذلك الدم الآتى إليه إنما يأتى فى العرق المسمّى بالباب مارا «إلى ذلك العضو» [٣] فى شعب هذا العرق، و الدم الذى فى شعب هذا العرق إذا تصفّى عن الأجزاء الصفراوية [٤] التى تخالطه، و ذلك باندفاع تلك الأجزاء إلى المرارة و عن الأجزاء السوداوية التى تخالطه أيضا و ذلك باندافع تلك السوداء إلى الطحال بقى الباقى من ذلك الدم مائيا كثير المائية جدا. و مثل هذا الدم أكثر ما يتولد عنه الشحم أو السمين فإن تولد عن لحم فذلك اللحم لا بد من أن يكون كثير المائية فيكون غدديا و لذلك فإن الأعضاء التى تغتذى من الدم الآتى [٥] من هذا العرق منها ما هو شحم كالثرب و منها ما هو لحم رخو كاللحم الذى يسمّى بانقراس.
و أما ظاهر المعدة فإنه و إن كان يأتيه الدم من هذا العرق فإن المعدة بحرارتها تحلل منه المائية الكثيرة فلا جرم يكون ما يتولد منه من اللحم عليها متينا. و لذلك هذا الجرم الذى يلاقى المعدة من قدامها لا بد من أن يكون جوهره كثير المائية و لا يمكن أن يكون لحما رخوا رهلا لأن مثل هذا اللحم ليس فيه من الدسومة و الدهنية ما يقبل لأجل ذلك الحرارة من غيره قبولا كثيرا كما فى الشحم و لذلك فإن الشحم يشتعل كثيرا بالنار. و لا كذلك هذا اللحم الرخو و لذلك وجب أن يكون الملاقى للمعدة لإدفائها جرما شحميّا لا لحما رخوا. و إنما لا يكون من جوهر السمين لأن جوهر السمين ليس فيه من البرد ما يعدل من حرارة العروق فلذلك كان هذا الملاقى للمعدة لإدفائها بتوسط قبوله الحرارة من غيره
[١] م: باعتبار
[٢] م ب: ساقطة
[٣] م: فى ذلك
[٤] ب: المرارية
[٥] ن: ساقطة