شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٥٨ - البحث الثانى فى الشكل الطبيعى للرأس
و ثانيتهما: لتكون أبعد عن قبول الآفات الخارجية مما له زاوية. إذ الزاوية ليس لها من ورائها ما يقويها على مقاومة المصادم. و لذلك ما كان من الأجسام ذا زوايا [١] فإن ما يعرض له من التكسر يكون أولا فى زواياه. و الجسم الكرى جوانبه كلها متساوية، فليس عروض الفساد له من جهة أولى من عروضه من جهة أخرى و هذه المنفعة تعود إلى نفس العظم. و ذكر لطول هذا العظم منفعة واحدة، و هى أن الأعصاب الدماغية موضوعة فى الطول. أعنى مرتبة كل زوج بعد آخر إلى خلف.
و هذه الأعصاب سبعة أزواج. فإذا [٢] عددنا ما يقع منها فى الطول وجدنا سبعة. و إذا عددنا ما يقع فى العرض وجدنا ذلك عصبتين فقط. فتكون الحاجة إلى الطول لأجل الأعصاب أكثر.
أقول: و هاهنا سبب آخر لأجله صار شكل الرأس هكذا. و ذلك لأن معظم الغرض بعظام [٣] الرأس إنما هى وقاية الدماغ. و ذلك بأن يكون له كالجنة. و إنما يتم ذلك بأن يكون محيطا به [٤] من كل جهة (و شكل الدماغ مستدير إلى طول، فيجب أن يكون شكل ما يحيط به كذلك و إلا) كان فيه زيادة غير محتاج إليها فى الوقاية، أو نقصان تؤدى إلى انضغاط الدماغ و إنما كان شكل الدماغ مستديرا إلى طول. أما استدارته فكما قلنا فى العظام و أما طوله، فلأنه محتاج [٥] أن يكون فيه ثلاثة بطون. و أن تكون هذه البطون موضوعة فى طوله، و ذلك يحوج إلى زيادة فى طوله. و إذا كان هذا العظم مستديرا إلى طول فطوله ما بين مقدمه و مؤخره وجب أن يكون له نتوءان أحدهما إلى قدام و الآخر إلى خلف، و خلق نتوءه المقدم أعظم لأن ما يحيط به من الدماغ أكبر [٦] و إنما كان كذلك لأن مقدم الدماغ للحس، و مؤخره يحفظ [٧] المعانى، و المحسوس إنما ينتقش [٨] فى شىء له مساحة. و لا كذلك المعانى.
و أما الأشكال الخارجة عن الأمر الطبيعى فسنذكرها بعد.
قوله: و له نتوءان إلى قدام، و إلى [٩] خلف ليقيا الأعصاب المنحدرة من الجانبين، و فائدة هذين النتوءين أنهما ساتران و لا شك أن الساتر إذا كان محدّبا كانت وقايته أتم لأن ملاقاة ما يصادمه يكون بجزء أقل، فيكون انفعاله عنه أضعف.
و اللّه أعلم [١٠]
[١] ب: سوايا.
[٢] ب: فإن.
[٣] م: لعظام.
[٤] د: له.
[٥] أ ب: يحتاج.
[٦] ن: أكثر.
[٧] ح: لحفظ.
[٨] ن: يتنقش. د: يتنفس.
[٩] أ: ساقطة.
[١٠] ب: و اللّه ولى التوفيق. ح ن: ساقطة.