شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٣٧٩ - البحث الأول فى تشريح قصبة الرئة
و يلزم ذلك أن لا تكون الدوائر الغضروفية هناك تامة. و ينبغى أن يكون هناك أنصاف [١] دوائر لأنها [٢] لو كانت أقل أو أكثر من انصاف دوائر لم يكن ما يستعينه المرىء من تجويف هذه القصبة حينئذ عظيما فلم يمكن أن يتسع اتساعا كثيرا، ثم لو كانت أكثر من انصاف دوائر لكانت تضيق المكان على المرىء كثيرا، و أما اسافل هذه القصبة و عند قرب الرئة فإن تأليفها هناك يكون من دوائر تامة و ذلك لأن هذه القصبة فى اسافلها تنحرف كثيرا عن المرىء إلى قدام، و المرىء ينحرف إلى خلف أما انحراف اسافل هذه القصبة إلى قدام فلأنها تتوجه بذلك إلى وسط جهات أعلى الرئة ليتصل بها فى ذلك الوسط لتكون قسمة النسيم على جميع أجزاء الرئة قسمة عادلة.
و أما انحراف المحاذى [٣] لذلك من [٤] المرىء إلى خلف فلأنه يتوجه بذلك إلى الاتكاء على عظام الصلب و هى أن اسافل العنق يأخذ فى الميل إلى خلف ليتوسع ما بين مؤخر الصدر، و مقدمه فيكون مكان القلب و الرئة متسعا.
قوله: و يجرى على جميع ذلك من الباطن غشاء أملس إلى اليبس و الصلابة ما هو أكثر الأعضاء التى يجب فيها أن يكون الأمر بعكس ذلك فيكون باطنها اشد صلابة من ظاهرها و سبب ذلك امور:
أحدها أن هذا الغشاء يحتاج فيه أن يكون قليل الانفعال و إنما يكون كذلك إذا كان قوى الجرم، و إنما يكون كذلك إذا كان صلبا، و إنما يكون كذلك إذا كان يابسا. و إنما احتيج أن يكون قليل القبول للانفعال ليكون صبورا على ملاقاة ما ينزل فى هذه القصبة من المواد الحادة [٥] التى تنزل من الدماغ، و سبب حدة هذه النوازل إما شدة عفونة المادة أو كثرة مخالطة المواد لها، فإن فضول الدماغ يجب أن يكثر فيها المرار، لكن المادة الواصلة إليه لتغذيته لا بد من أن تكون كثيرة المرار، و إلا لم يسهل تصعدها إلى الدماغ و اغتذاء [٦] الدماغ إنما هو بالأجزاء الرطبة الباردة من تلك المادة و لذلك تبقى المواد الحادة المخالطة لما يفضل عن غذائة كثيرة جدا. فلذلك كثيرا ما تكون النوازل من الدماغ حادة جدا، و من جملة النوازل ما ينزل إلى تجويف هذه القصبة.
و ثانيها: أن هذا الغشاء يحتاج أن يكون إلى صلابة ليقل تضرره بما يتصعد فيه من الدخانية التى تخرج مع الهواء المتردد فى التنفس و ليقل أيضا قبوله لتمديد النسيم الكثير الداخل فيه فلا يعرض له من انشقاق و نحوه عندما يعرض حين اشتعال القلب فى الحميات المحرقة و غيرها من جذب هواء كثير للتنفس.
و ثالثها: ليكون الصوت الحادث بقرع الهواء الخارج بقوة قويا فإن قوة الصوت بقرع الاشياء الصلبة أكثر من قوته بقرع الأشياء اللينة.
[١] ن: القصبة
[٢] ن: فإنها
[٣] ن: لذلك من المرئى إلى المرئى
[٤] م: المجرى
[٥] ن: ساقطة
[٦] ن: و اعتدال