الشهادات و الحدود - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠ - كتاب القضاء
«مسألة ٨» : كما أن للحاكم أن يحكم بين المتخاصمين بالبيّنة وبالاقرار وباليمين ، كذلك له أن يحكم بينهما بعلمه[١]
ولا فرق في ذلك بين حق اللّه وحق الناس . نعم ، لا يجوز إقامة الحدّ قبل
مطالبة صاحب الحق وإن كان قد علم الحاكم بموجبه على ما يأتي .
(١)
الوجداني وقطعه بأن الحق للمدعي أو للمنكر ، ولا يطالبهما لا بالبيّنة ولا
باليمين ، إذ بعد ثبوت منصب الحكومة له تشمله الآيات الكريمة كقوله تعالى :
{ «وإِذا حكمْتُم بيْن النّاسِ أن تحْكُمُوا بِالْعدْلِ» } [١] ولا شك في أن الحكم بمقتضى العلم والقطع الوجداني حكم بالعدل . هذا بالنسبة إلى ثبوت مال أو زوجية ، أو نفيهما ، ونحو ذلك .
وأما
بالنسبة إلى إقامة الحدود ، فليس له إقامتها بمقتضى علمه ، فإذا قذف رجل
رجلاً ولم يطالبه المقذوف بحقه ليس للقاضي إجراء الحد ، وكذا لو رأى القاضي
رجلاً يسرق ليس له إجراء الحد عليه ما لم يطالب صاحب المال بحقه[٢] .
[١] النساء : ٥٨ . وكذا قوله تعالى : «وإِنْحكمْت فاحْكُم بيْنهُم بِالْقِسْطِ» المائدة :٤٢ ، وغيرهما .
[٢]
كلام السيد الاستاذ هنا واضح في أنه ليس للحاكم إقامة الحدود بعلمه ، ولكن
سيأتي منه في المسألة
١٧٨ أن للحاكم إجراء الحدود بعلمه في حقوق اللّه كحد الزنا وشرب الخمر والسرقة ، وأما في حقوق الناس فيتوقف إقامتها على مطالبة من له الحق ، وذلك لعدّة صحاح دلّت على ذلك ، منها صحيحة الفضيل قال : «سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول : من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حدود اللّه مرّة واحدة حرّاً كان أو عبداً أو حرّة كانت أو أمة ، فعلى الإمام أن
يقيم الحد عليه إلى أن قال : إذا أقر على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه ،فهذا من حقوق اللّه ، وإذا أقرّ على نفسه أنّه شرب خمراً حدّه ، فهذا من حقوق اللّه ، وإذا أقرّ على نفسه بالزنا وهو غير محصن ، فهذا من حقوق اللّه . قال : وأمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية لم يحدّه حتى يحضر صاحب الفرية أو وليّه ، وإذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم» . الوسائل : باب ٣٢ من أبواب مقدّمات الحدود ح١ .
ومنها : صحيحته الثانية عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحق أحد من حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحد الذي أقرّ به عنده حتى يحضر صاحب حقّ الحد أو وليّه ويطلبه بحقّه» الوسائل باب ٣٢ من أبواب مقدّمات الحدود ح٢ .
ثمّ إنّه لابد من التنبيه على أن المراد من العلم الذي يجوز للقاضي الحكم استناداً إليه هو العلم الحسي أو الحدسي المتاخم للحس بتجمع الاحتمالات في محور واحد مولّدةً العلم وكون الأمر بيّناً لكل أحد ، وينافيه تخلل الاجتهادات الشخصية والنظر الفردي ، وأمّا ما استند فيه إلى استشهادات ضعيفة واستنباطات شخصية ونظرات فردية فلا يكون منه فلا أثر له .
كما أن للقاضي الاستناد في الحكم إلى نظر المتخصصين في تشخيص الجرم أو غيره كالطب العدلي ونحوه ، فيما إذا فرض كون الأمر لديهم في مقدّمات النظر واضحة ، بنحو يحصل العلم لكل أحد له إلمام بهذا التخصص ويكون الأمر عندهم بيناً ، وينافيه الاجتهادات الشخصية والنظرات الفردية ، كما أنه ليس منه ما استند فيه إلى الالهام والكشف والرمل والجفر .
ولنا في إقامة الحدود بعلم القاضي كلام ، لما يظهر من الروايات من عدم حكمهم (عليهم السلام ) بعلمهم ، يأتي في محله .