غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
معلولا
لها،و على هذا أرجعوا الأفعال كلّها إلى اللّه و زعموا أنّه علّة العلل و
مع تحقّق علّة الفعل و هو الإرادة يتحقّق الفعل بعدها بغير اختيار المكلّف
نظير حمرة الخجل و صفرة الوجل،فكما أنّ الإنسان عند الخوف يصفرّ وجهه بغير
اختياره كذلك عند تحقّق الإرادة،فيكون الفعل حينئذ واجبا حتّى يوجد
خارجا،فهو مستند إلى إرادة العبد و مع تحقّقها فلابدّ أن يوجد.و على هذا
بنوا القول بقدم العالم،حيث إنّ إرادة اللّه تعالى قديمة بقدمه،فلابدّ من
قدم العالم،و على ذلك بنوا القول بالعقول العشرة و بقيّة مزخرفاتهم.
و قد ظهر لك ممّا قدّمنا سابقا أنّ الثابت عندنا هو أنّ الشيء لابدّ له من
موجد و الموجد في المقام متحقّق و هو نفس العبد،فإنّه تصوّره فمال إليه
فبنى على إيجاده فأوجده،و هذا البناء ليس هو صفة الإرادة،و إنّما هو فعل من
أفعال النفس كتصوّره و مطالعته،بل إنّ نفس تصوّر ذلك الشيء أيضا من
أفعاله.و يدلّ عليه أنّه بعد بنائه على إيجاده هو قادر على ترك إيجاده
فيستمرّ العدم السابق مثلا،فهذا العمل الذي يعمله المكلّف مستند إلى بنائه
على إيجاده الناشئ من تصوّره و إدراكه ملائمة الفعل لإحدى قواه
النفسية،فإنّه قد جبلت النفس على جلب ما تميل إليه و دفع ما تكره، من جهة
أنّ الإنسان يحبّ نفسه.
و قد ظهر ممّا ذكرنا كثير ممّا في كلام صاحب الكفاية قدّس سرّه و نذكر منها أمرين:
الأوّل:تقسيمه الإرادة إلى تكوينيّة و أنّها العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ،و تشريعية و هي العلم بالمصلحة في فعل المكلّف[١].
و لا يخفى ما فيه،فإنّ الإرادة-و هي البناء على الإيجاد-أمر تكويني دائما،و
لا يمكن أن يكون تشريعيا.نعم،قد تتعلّق بأمر تكويني كخلق زيد،و قد تتعلّق
بأمر تشريعي كجعل الحكم بحسب ما يعلم من المصلحة،أمّا أنّ الإرادة تكون
نفسها
[١]كفاية الاصول:٨٨.