غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٣٣ - في الضدّ الخاصّ
الإحراق
لعدم المماسّة لا يقال:لم يتحقّق الإحراق لوجود الرطوبة،بل إنّما يكون
الشرط شرطا بعد تحقّق المقتضي،و إنّما يكون المانع مانعا بعد تحقّق
الشرط؛إذ حينئذ يكون متّصفا بالمزاحم في التأثير،و حينئذ فالشرط غير عدم
المانع بل المانع إنّما يكون مانعا بعد فرض وجود الشرط.
و من هنا منع قدّس سرّه من أن يكون الوجود شرطا و العدم مانعا و منع من كون
أحد المتناقضين شرطا و الآخر مانعا؛إذ مانعيّة الثاني إنّما يكون بعد وجود
الشرط و المفروض أنّ وجود الشرط لا يمكن مع تحقّق المانع؛لتناقضهما.
ثمّ إنّه بعد هذه المقدّمة ذكر أنّ وجود أحد الضدّين لابدّ أن يكون بعد
حدوث علّته التامّة،فالمقتضي للبياض مثلا و الشرط له و عدم المانع كلّه
متحقّق،و حينئذ فعدم السواد إن لم يوجد مقتضيه فليس عدمه مستندا إلى
المانع،و إن وجد مقتضيه فكيف يعقل تحقّق مقتضيه مع أنّه يلزم تحقّق مقتضى
المتناقضين؟و المتناقضان في جميع المراتب يستحيل اجتماعهما؛إذ لو وجد
المقتضي للسواد لاستند عدمه إلى وجود المانع،و حينئذ فيكون الممتنع بالذات
ممتنعا بالغير و هو محال.
ثمّ إنّه لو وجد المقتضي و لكنّه استند العدم إلى عدم الشرط فكذلك لم يستند
لعدم المانع؛إذ إنّما يكون مانعا بعد وجود الشرط،فهو قبل وجود الشرط ليس
بمانع أصلا فليس عدمه من المقدّمات.
و الجواب:أنّ مقتضى المحال محال كما قرّر لكنّه بمعنى تحقّق مقتض واحد
للضدّين معا،و هذا ممّا لا ريب في استحالته،و لكن محلّ الكلام أن ينظر إلى
مقتضى الشيء من حيث هو لا من حيث اجتماعه مع ضدّه،و حينئذ لا مانع من
تحقّق كلا المقتضيين في المقام.مثلا إذا كان هنا إناء ذو عروتين فأمسك زيد
إحدى العروتين جاذبا له إلى جهة الشرق،و أمسك عمرو عروته الاخرى جاذبا له
إلى جهة الغرب فلا ريب حينئذ في تحقّق كلا المقتضيين،و حينئذ فإن تكافأت
القوّتان للجاذبين يبقى في مكانه و لا ينجذب إلى إحدى الجهتين
أصلا،فالمقتضى لكلا الضدّين لا مانع من تحقّقه و يكون حينئذ وجود أحدهما
مانعا عن تحقّق الآخر.