غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٥٤ - في مرجّحات باب التزاحم
الثاني
من مرجّحات باب التزاحم:أن يكون الملاك في أحد الواجبين مطلقا فالقدرة
معتبرة فيه عقلا،و يكون الملاك في الواجب الثاني مشروطا بالقدرة شرعا بحيث
لا يكون في العمل ملاك بالإضافة إلى العاجز،و لنعبّر عن الثاني بما اعتبرت
فيه القدرة الشرعيّة و عن الأوّل بما اعتبرت فيه القدرة العقليّة.
بيان ذلك:أنّ الواجبين قد لا تكون القدرة فيهما معتبرة في تحقّق الملاك بل الملاك متحقّق فيهما مطلقا.
و قد تكون القدرة شرطا في تحقّق الملاك بحيث لا ملاك له بالإضافة إلى العاجز أصلا.
و قد تكون القدرة شرطا في تحقّق الملاك في أحدهما و ليست شرطا في تحقّق
الملاك في الثاني.و هذا القسم الثالث هو مورد هذا المرجّح،فإنّه لا ريب في
تقدّم ما كان مشروطا بالقدرة العقليّة على ما كان مشروطا بالقدرة الشرعيّة
ثبوتا و إثباتا؛ فإنّ أمر الشارع بغيره يعني بغير ما كانت القدرة فيه
عقليّة تفويت لملاك هذا الواجب مع إطلاق ملاكه حسب الفرض،بخلاف الأمر به
فإنّه حينئذ لا يتحقّق ملاك في الثاني لعدم القدرة،و بانعدامها ينعدم
الملاك؛لتعليقه على القادر،فيكون عدم الثاني لعدم ملاكه فلا تفويت فيه
للملاك،و من المعلوم أنّ الشارع لا يفوّت الملاك الملزم.
و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يقترن زمانهما أو يتقدّم أحدهما على
الآخر؛لجريان ما ذكر في جميع هذه الصور بعد فرض تحقّق التزاحم بينهما،مثال
ذلك:ما إذا كان جواب السلام موجبا لفوات الحجّ عليه،و الحجّ مشروط بالقدرة
الشرعيّة،بخلاف وجوب ردّ السلام فهو مشروط بالقدرة عقلا،فملاك وجوب ردّ
السلام مطلق و ملاك وجوب الحجّ مشروط بالقدرة الشرعيّة،فيتقدّم وجوب ردّ
السلام و إن كان الحجّ أهمّ؛لأنّ أهميّته بعد فرض وجوبه،و المفروض أنّه لا
وجوب له؛لعدم ملاكه حال العجز.هذا كلّه في الفرض الثالث.