غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٤٣ - في إحراز الملاك و كفايته و عدمهما
و بالجملة،فإذا احرز الملاك لا ريب في كفاية قصده إنّما الكلام في إحرازه.
و هو المقام الثاني:و ذلك فإنّه يقال إنّ الملاك إنّما نحرزه نحن بالأمر
انتقالا من المعلول إلى العلّة بناء على مذهب العدليّة من أنّ اللّه لا
يأمر جزافا بل لابدّ من مصالح في متعلّق أمره و مفاسد في متعلّق نهيه،فإذا
فرضنا أنّ إطلاق الأمر ليس شاملا لهذا الفرد فهذا الفرد خارج عن تحت إطلاق
الأمر أو عمومه،فمن أين يستكشف كونه واجدا للملاك؟فإن ادّعي القطع بكونه
باقيا على ملاكه و أنّ الأمر إنّما لم يشمله بإطلاقه لوجود المانع و هو
تعلّق النهي،لا لقصور في ملاكه و إلاّ فهو على ملاكه و مصلحته فلا كلام لنا
مع القاطع؛إذ القطع حجّة لكنّه لخصوص القاطع كصاحب الكفاية قدّس سرّه.
و أمّا نحن فقد رجعنا إلى وجداننا فلم نجد لنا قطعا بذلك بل احتملنا أن لا
يكون الفرد المزاحم ذا ملاك أصلا،فلابدّ لنا من برهان به نحرز الملاك،و قد
ذكروا لإحراز الملاك أمرين:
أحدهما:أنّ لكلّ لفظ دلالة مطابقيّة و دلالة اخرى التزاميّة و المراد بها
ما يعمّ التضمّنيّة فإنّها أيضا التزاميّة،و لا ريب في حجّية كلتا هاتين
الدلالتين بنحو لا يفرّق بينهما في المحاورات أصلا بل يلتزم بهما في
الأقارير كما هو ظاهر،بل قد استدلّ الأئمة عليهم السّلام بجملة من الدلالات
الالتزاميّة في القرآن،كما في آيتي أقصى الحمل[١] و قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهََا } [٢]على
عدم كفاية العقد المنقطع في التحليل،و حينئذ ففي الأمر المتوجّه بشيء
دلالة مطابقيّة و هي كون ذلك الشيء في عهدة المكلّف،و دلالة التزاميّة و
هي وجود المصلحة في المأمور به،فإذا كانت الدلالة المطابقيّة لا يمكن
[١]البقرة:٢٣٣،و الأحقاف:١٥،و راجع تفسير كنز الدقائق ٩:٤٥٠ فقد ذكر أخبارا في تفسير الآية،و الكافي ١:٤٦٤،باب مولد الحسين عليه السّلام.
[٢]البقرة:٢٣٠.