غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٤ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
مضافا
إلى أنّ تجويز عقاب المطيع و ثواب العاصي يرفع حكمة إرسال الرسل و إنزال
الكتب؛إذ يجوز أن يعاقب من لم يخرج عن طاعته و هو المؤمن و يثيب من لم يخرج
عن معصيته و هو المشرك.
فإن أجابوا-كما أجابوا-بأنّ وعده تعالى للمؤمن بالثواب و للعاصي بالعقاب هو الذي يحسن بعث الرسل و إنزال الكتب.
قلنا:ما المانع من أن يخلف وعده؟
فإن أجابوا بأنّه أخبر أنّه لا يخلف الميعاد،قلنا:ما المانع من كذبه؟إذ ليس
عمله قبيحا حسب الفرض.و ربّما أجابوا بأنّ اللّه قد جرت عادته على إثابة
المطيع و مؤاخذة العاصي و إن كان لو عكس لم يفعل قبيحا.و ليت شعري!كم عاشره
الأشاعرة من السنين فعرفوا عادته؟
و بالجملة،فهذه كلمات فارغة ليس تحتها شيء.
و قد احتجّوا على ذلك بوجوه:
أحدها:نقليّ،و هو الاستدلال بظواهر بعض الآيات من أنّ اللّه ليس له شريك في خلق الممكنات و أفعال العباد من الممكنات.
و الجواب أوّلا:أنّ البحث عقليّ فلا يحسن فيه الاستدلال بالظواهر.و
ثانيا:أنّ كونه خالقا لا شريك له نحن نقول به أيضا،إلاّ أنّ معناه خالق كلّ
شيء،يعني ليس هو خالق السماء و خالق الأرض غيره و ليس هو خالق الإنس و
خالق الجنّ غيره، بل هو خالق جميع الأشياء من الجواهر بقرينة قوله تعالى
لعيسى: { وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ } [١]فنسب الخلق إلى عيسى،و كذا قوله: { وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً } [٢] فنسب الخلق إليهم،و قوله: { فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ } [٣]فإذا لم يكن
[١]المائدة:١١٠.
[٢]العنكبوت:١٧.
[٣]المؤمنون:١٤.