غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٦٣ - الثاني أنّه لا ينحصر التفصّي عن عويصة وجوب المقدّمة قبل وجوب ذي المقدّمة بالتعلّق بالتعليق أو بما يؤول إليه
فهو
متعدّد بتعدّد أفراد المتعلّق،فإذا علمنا بلزوم رفع اليد عن أحد
الظهورين-إذ العالم الفاسق لا يمكن أن يكون محكوما بكلا الحكمين معا-فرفع
اليد عن إطلاق«لا تكرم فاسقا»موجب لتخصيص«لا تكرم فاسقا»بغير العالم،فيكون
مؤدّاها«لا تكرم فاسقا غير عالم».و لكن«أكرم عالما»إذا رفعنا اليد عنها
فإنّما رفعنا اليد عن كونها شائعة بين أفراد كثيرة إلى كونها شائعة بين
أفراد أقلّ من المقدار الذي كانت قبل شائعة فيه؛إذ إنّ«أكرم عالما»كان قبل
التقييد مشاعا بين أفراد كلّ عالم و هم مئة،و لكنّه أصبح شائعا بين خمسين و
هم العالم الغير الفاسق مثلا،و لا ريب في أنّه أخفّ مؤونة و أقلّ كلفة من
التخصيص فيقدّم عليه.
أقول:لا يخفى أنّ«أكرم عالما»ذات حكمين:
أحدهما:المدلول المطابقي،و هو لزوم إكرام عالم،و هذا الحكم له إطاعة واحدة و
عصيان واحد؛لعدم انحلاله له إلى أفراد،كما في«لا تكرم فاسقا».
الثاني:مدلوله الالتزامي،و هو الترخيص في تطبيق ذلك العالم على كلّ فرد فرد
من أفراد العلماء؛لعدم تحقّق مقيّد تضيق به دائرة التطبيق،و هذا الحكم حكم
شمولي، فرفع اليد عن الإطلاق في البدلي مخالفة لعموم شمولي و رفع يد
عنه،غير أنّ هذا الحكم شمولي مستفاد من دلالة الالتزاميّة لا مطابقيّة،و
هذا ليس فرقا،و حينئذ فلا مرجّح لرفع اليد عن أحد الإطلاقين.
و ثانيا:أنا لو سلّمنا أنّ الحكم في المطلق بدلي محض و لا يستلزم حكما
شموليّا، فلماذا يتقدّم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي مع كون كلّ
منهما خلاف ظهور اللفظ؟إذ المطلق الشمولي ظاهر في الشمول،و المطلق البدلي
ظاهر في سعة الدائرة، و كلّ من هذين الظهورين إنّما انعقد بالإطلاق و
مقدّمات الحكمة.و إنّما يصحّ رفع اليد عن أحد الظهورين حيث يكون أحدهما
أقوى،كما إذا كان إطلاق أحدهما وضعيّا فإنّه حينئذ غير موقوف على مقدّمات
الحكمة،فيكون بيانا للثاني فلا يتمّ عدم البيان فيه الذي هو من جملة
مقدّمات الإطلاق،فافهم.