غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٢٨ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
صار إلى الأوّل الأشاعرة هربا من قول اليهود: { يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ } [١]و
تنزيها للّه تعالى عن أن يوجد له شريك في إيجاد الممكنات،فذهبوا إلى أنّ
الأفعال الصادرة من العباد كلّها مستندة إليه تعالى و صادرة بإرادته و
اختياره و إن قارنت إرادة العبد و اختياره،إلاّ أنّهما ليس لهما أثر في
صدور الفعل،فالفعل صادر قهرا على العبد و قسرا عليه،بحيث لو أراد الامتناع
عن صدور الفعل لم يتمكّن من الامتناع.
و من هنا ذكر أبو هذيل[٢]:أنّ
الأشاعرة لا يميّزون بين الفعل المقدور و غيره و أنّ حمار الأشعري أفهم من
الأشعري!فإنّ الحمار إذا جيء به إلى نهر عميق لا يقتحمه إذا كان
عريضا،لعلمه بعدم قدرته عليه،بخلاف ما إذا لم يكن عريضا،فإنّه يقتحمه حينئذ
لعلمه بقدرته عليه،فهو أفهم من صاحبه.و قد ذكروا أنّ الثواب و العقاب على
كسب العقل،و لم نفهم معنى لذلك.
و صار إلى الثاني عموم الفلاسفة،و منهم صاحب الكفاية قدّس سرّه[٣]فزعموا أنّ الفعل يصدر بإرادة العبد و اختياره،إلاّ أنّ هذه الإرادة من العبد لابدّ أن تنتهي إلى إرادة اللّه تعالى.
و الفرق بين هذا القول و سابقه واضح،فإنّ الأشاعرة يزعمون أنّ إرادة العبد
من المقارنات الغير المؤثّرة في تحقّق الفعل و عدمه،بخلاف الفلاسفة،فإنّهم
يزعمون استناد الفعل إلى إرادة العبد،لكنّهم يدّعون انتهاءها إلى إرادة
الحقّ جلّ شأنه.
و لمّا رأى المعتزلة أنّ هذين المذهبين ينسبان الظلم إلى اللّه تعالى في
عقاب العاصين،لصدور العصيان بعمل يستند إليه ابتداء أو من جهة انتهاء إرادة
العبد إليه تعالى و إلى إرادته-و على كلّ حال فلا يحسن منه العقاب إذ هو
ظلم منه لمن يعاقبه-
[١]المائدة:٦٤.
[٢]شرح منهاج الكرامة للعلاّمة الحلّي:٩٢.
[٣]راجع كفاية الاصول:٨٨-٩٠،و راجع ما قاله الفلاسفة في شرح المواقف ٨:١٤٧.