غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦١٤ - في مفهوم الحصر
و ثانيا
بالحلّ،و الظاهر أنّ تعصّبه أعماه عن الحقّ فإنّ الحياة في المقام ليست
مضافة إلى الدنيا ليكون المراد بها الحياة في الدنيا،و إنّما الدنيا بمعنى
الدنيّة صفة للحياة،و المراد إنّما الحياة الدنيئة لعب و لهو،و لا ريب في
أنّ الحياة الدنيئة منحصرة بما ذكر،كيف تكون مضافة مع اقترانها باللام الذي
لا يجتمع مع الإضافة كما قرّر في النحو،و لكنّ التعصّب قد يبلغ بالإنسان
حدّا يعمي فيه بصره مضافا إلى عمي بصيرته.اللهمّ إنّي أعوذ بك من هذا
التعصّب الأعمى فإنّ إنكار دلالة إنّما على الحصر إنكار لبداهة اللغة
العربيّة و ضرورتها،و الرازي لا ينكر أدبه و معرفته باللغة و أدبيّاتها و
لكنّ التعصّب يعمي و يصمّ و يخرس.
و أمّا«إلاّ»فدلالتها على الحصر و كون ما بعدها مخالفا لما قبلها حكما أمر
عرفي لا يرتاب فيه ذو مسكة أصلا،و قد خالف أبو حنيفة فزعم أنّها لا تفيد
الحصر و استدلّ بقوله صلّى اللّه عليه و اله:«لا صلاة إلاّ بطهور»[١]و أنّه لو دلّت على الحصر للزم أن يكون الطهور صلاة و إن لم يضمّ إليه بقيّة الأجزاء و الشرائط[٢].
و لا يخفى ما في هذا الكلام من الضعف فإنّه صلّى اللّه عليه و اله لم
يقل:«لا صلاة إلاّ طهور» ليتوهّم هذا المعنى و إنّما قال:«لا صلاة إلاّ
بطهور»فقرنه بالباء التي هي بمعنى«مع» أي لا صلاة إلاّ مع الطهور نظير
قوله:«لا عمل إلاّ بنيّة»[٣]فهو لا يقتضي أنّ النيّة هي العمل إلى غير ذلك من الأمثلة.
و قد استدلّ على إفادة إلاّ الحصر بقبول النبيّ صلّى اللّه عليه و اله
إسلام من نطق بكلمة التوحيد،فلولا إفادتها الحصر لم يكن معنى للقبول[٤].و لا يخفى أنّ دلالة«إلاّ»
[١]الوسائل ١:٢٥٦،الباب الأوّل من أبواب الوضوء،الحديث ١ و ٦.
[٢]انظر المستصفى من علم الاصول:٣٢٩،و نهاية الوصول(مخطوط):١٥١،و شرح مختصر الاصول ١:٢٦٤-٢٦٥.
[٣]الوسائل ١:٣٣،الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات،الحديث الأوّل.
[٤]مطارح الأنظار ٢:١٠٦.