غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٢ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
و إن
كان جهة عقابه هو الكسب-كما صرّح به أبو الحسين البصري في جواب هذه المصيبة
المتوجّهة إليه-فنقول:ما معنى الكسب الذي ذكرتم أنّه هو سبب الإطاعة؟فإن
كان الكسب بمعناه الظاهري في قوله[١][تعالى]: { لَهََا مََا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهََا مَا اِكْتَسَبَتْ } [٢]فهو
معناه:لها ما فعلته فعلا ناشئا من اختيار مستندا إلى إرادة نفسانيّة،و إن
أراد من الكسب معنى آخر فهو لا يعقله-كما اعترف جملة منهم به-فما لا يعقل
أولى أن لا يعاقبنا اللّه تعالى بسببه.
و قد ذكر أبو بكر الباقلاني[٣]جوابا
آخر هو:أنّ الفعل له جهتان:الاولى جهة كونه فعلا و هذه الجهة مسندة إلى
اللّه تعالى،و جهة كونه طاعة أو معصية و هذه مستندة إلى العبد و بسببها
الثواب و العقاب.
و الجواب:أنّ هذه الجهة و هي جهة كونها طاعة أو معصية انتزاعيّة؛إذ الطاعة
ليست إلاّ مطابقة المأتيّ به للمأمور به،فموجدها هو موجد منشأ انتزاعها،و
إن لم تكن انتزاعيّة فهي أيضا موجود من الموجودات المتأصّلة فينقل الكلام
إليها، فنقول:من يوجدها؟فإن كان العبد هو الموجد لها فهو الشرك المتوهّم
الذي فررتم منه قد وقعتم فيه،فلماذا التزمتم بأنّ اللّه هو الخالق
للأفعال،فالتزموا من أوّل الأمر بأنّ العبد هو الموجد وحده أو بمعونة
غيره،و إن أوجد هذه الصفة اللّه،فلماذا يعاقب العبد عليها؟
و قد أجاب بعضهم بجواب آخر ملخّصه إنكار الحسن و القبح العقليّين[٤]،و التزم بأنّ اللّه له أن يدخل أشرف أنبيائه في أسفل درك من جهنّم و أن يدخل أعصى
[١]في الأصل:قولها،و هو سهو.
[٢]البقرة:٢٨٦.
[٣]شرح المواقف ٨:١٤٧.
[٤]راجع شرح المواقف ٨:١٨١ و ما بعدها و ٢٠٢ و ما بعدها.