غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
بناء
على ما ذكرتم من كون الفعل مخلوقا للّه تعالى و أن ليس للعبد تركه و إن
قارنته إرادته،إلاّ أنّها ليس لها تأثير في تحقّق الفعل خارجا،فهل تفرّقون
بين حركة نبض الإنسان و حركة يده؟
فإن التزموا أن لا فرق بينهما أصلا فهو مكابرة مع الوجدان و ليس عندنا دليل أقوى منه.
و إن زعموا أنّ هناك فرقا بينهما،فنسألهم عن الفرق بينهما،فإن أجابوا بأنّ
هذا مقارن لإرادة العبد و ذاك ليس مقارنا لإرادته،فنقول:إنّ المقارنة من
دون أن يكون لها تأثير في الفعل لا توجب فرقا،فإنّ الإنسان إذا أراد حركة
نبضه و قارنت حركته هذه الإرادة لا يكون لهذه الإرادة في حركة النبض أثر
أصلا،فلا يصلح هذا فارقا بينهما،فلابدّ من القول بعدم الفرق بينهما و أنّ
هذا الأمر الوجداني صورة فرق و ليس له واقع.
و هذا أمر معلوم الفساد بالبديهة أوّلا؛و لذا لو سقط حجر على رأس الأشعري
لا ينتقم منه،بخلاف ما لو لطمه لاطم فإنّه يخاصمه و يحاجّه،و على مسلكه لا
فرق بينهما.
و ثانيا فلماذا يعاقب اللّه العصاة على عصيانهم؟و هل هو إلاّ أنّ العبد صار
محلاّ لفعل اللّه تعالى كما يصير الجسم محلاّ للسواد و محلاّ للبياض
باختيار الصبّاغ،فلماذا يعاقبه اللّه تعالى؟
فإن كان جهة عقابه مقارنته للإرادة المتكوّنة للعبد،فمع فرض عدم تأثيرها في
الفعل أصلا ينقل الكلام إليها،فإن كان اللّه هو موجدها فلماذا يعاقب العبد
على العمل الصادر مقترنا بها؟و إن كانت هذه الإرادة أوجدها العبد نفسه فقد
تحقّق الشرك الذي فرّوا منه؛إذ لا فرق بين الموجودات الخارجيّة و
الموجودات النفسيّة في كونها ممكنة تحتاج إلى موجد،فإذا كان العبد هو
الموجد لها تحقّق الشرك.