غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٩ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
و الظاهر أنّ نظر الآخوند قدّس سرّه إلى هذه الشبهة،حيث أجاب[١]بأنّ الإرادة الأزليّة قد تعلّقت بالفعل الاختياري،فمع صدوره قسرا يلزم التخلّف.
و معلوم أنّ جوابه عين الالتزام بالجبر؛إذ لو تعلّقت الإرادة بصدوره
اختيارا فهو مقسور على اختياره،فليس هو إلاّ اسم الاختيار لا واقعه و
حقيقته.
و الحقّ في الجواب أن يقال:إنّ الإرادة بمعنى المشيئة إنّما تكون من كلّ
فاعل بالإضافة إلى فعله،و لا معنى لتعلّق المشيئة بفعل الغير،و حينئذ
فمشيئته تعالى إنّما تتعلّق بأفعاله التي منها استمرار إفاضة الوجود و
القدرة على العبد،و مشيئة العبد نفسه تتعلّق بأفعاله الصادرة منه،فنفس
الفعل يصدر من العبد المباشر و إن صحّ نسبته إلى اللّه باعتبار إفاضته
الوجود و القدرة على العبد.و آية: { وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ } [٢]أيضا بهذا المعنى،يعني أنّ اللّه تعالى إذا تعلّقت إشاءته بعدم هذا الفعل فيرفع قدرة المكلّف عنه أو يرفع عنه الحياة.
هذه شبه الجبر،و قد ظهر أنّ انتفاء الإرادة عن أفعال العبيد وجودا و عدما
ممكن و أنّه ليس من نفي الضدّين؛إذ التقابل تقابل عدم و ملكة،فهما إنّما لا
يجوز ارتفاعهما عمّا هو قابل لتعلّق الإرادة به،و هو فعل اللّه نفسه و فعل
كلّ فاعل[٣]و حيث انتهى الكلام
إلى هنا،فقد ظهر بحمد اللّه-جلّت عظمته-انتفاء شبه الجبر و أنّ الأفعال
مخلوقة للعبيد و هم الموجدون لها و إن صحّ نسبتها إليه تعالى بما أنّه مفيض
للوجود و القدرة،فافهم.
هذا تمام الكلام في المجبّرة و جوابهم.
و أمّا الفلاسفة فحيث بنوا على أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد و طبّقوها على
أفعال العباد زعموا أنّ فعل العبد ما لم يجب لم يوجد؛إذ لابدّ لكلّ فعل من
علّة يكون الفعل
[١]انظر كفاية الاصول:٨٩.
[٢]الإنسان:٣٠،التكوير:٢٩.
[٣]كذا في الأصل،و الصحيح ظاهرا:لا فعل كلّ فاعل.