غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
و قول:إنّه لماذا وجد؟نقول:لأنّ الموجد اختار إيجاده لملائمته لطبعه فقد اختاره.
و دعوى:أنّ الممكن لابدّ له من علّة مسلّمة لكنّها بمعنى الموجد و هو
متحقّق في المقام،و أمّا أنّ الفعل حينئذ يلزم أن يكون جبريا و واجب الصدور
فلا،و لو كان كذلك لنقل الكلام إلى أفعاله تعالى حرفا بحرف،فهل يلتزمون
بالجبر فيها؟و غير بعيد منهم ذلك بعد نفي القبح و الحسن عن أفعاله،تعالى
اللّه عمّا يقولون علوّا كبيرا!
و من الظرائف المنقولة:أنّ ناصر الدين شاه سأل المحقّق السبزواري-لمّا مرّ
على سبزوار-عن الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين،فقال افصّل لك أم اجمل؟
فقال:بل أجمل،فقال:الجبر«لا حول و لا قوّة إلاّ للّه»و التفويض«لا حول و
لا قوّة إلا لي»و الأمر بين الأمرين«لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه».و قصّة
بهلول رحمه اللّه مع أبي حنيفة و رميه له بالحجر مشهورة و مسطورة،فافهم.
و بالجملة،فليس في الأفعال الصادرة منّا غير ذلك كما ذكرنا.
و ما ذكره بعضهم:من أنّ الفعل مستند إلى الإرادة و أنّها الشوق الأكيد
النفساني،فلا نعلم مستنده أصلا هل المستند إلى هذا هو الحاجبي أم هو العضدي
أم غيرهما؟و ليس له أصل في كتب اللغة،فإنّ الإرادة في اللغة بمعنى
المشيئة،و منه:إذا أراد اللّه شيئا...الخ،يعني إذا شاء.و منه:ما ورد في
الحديث:«إنّ اللّه خلق المشيئة بنفسها و خلق الأشياء بالمشيئة»[١].
و بالجملة،فالإرادة في جميع الأخبار الواردة عن أهل البيت المراد بها
المشيئة، و هي في العرف أيضا بهذا المعنى مشهورة الاستعمال.و قد تطلق لغة
على معنى آخر و هو التهيّؤ في قوله[تعالى]: { جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } [٢]و بهذا المعنى تسند إلى الجامدات أيضا.
[١]الكافي ١:١١٠،الحديث ٤.
[٢]الكهف:٧٧.