غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
فإنّه
انكشف لديه أنّ زيدا يصلّي باختياره و أنّ عمرا يزني باختياره،إلاّ أنّ
انكشاف ذلك له لا ربط له بأصل الصدور؛إذ ليس هذا العلم هو المحقّق له،بل
بما أنّه يتحقّق واقعا تعلّق علم اللّه به لا بالعكس،بل لو صدر العمل منه
بغير الاختيار لنسب الجهل إلى اللّه،تعالى عمّا يقوله الظالمون علوّا
كبيرا!لعلمه بصدوره منه اختيارا.
و الظاهر أنّ كلامهم مغالطة،فإنّ عندنا علما له مدخليّة في العمل الخارجي،و
هو تصوّر نفس الفاعل له،إلاّ أنّ هذا العلم إنّما هو من المكلّف لا من
اللّه تعالى.و لو كان علمه بصدور الفعل يوجب الجبر لكانت أفعاله جبرية عليه
أيضا،لتعلّق علمه بأنّه يخلق و يرزق و ينزل الغيث..إلى آخر معلوماته،فهل
يلتزم الأشعري بأنّ أفعاله تعالى جبريّة عليه؟و لا بعد في التزامه ذلك بعد
نفي الحسن و القبح.
ثالثها:أنّ كلّ ممكن لابدّ له من علّة حتّى يتحقّق؛إذ نسبته إلى طرفي
الوجود و العدم متساوية،فلا يعقل أن يتحقّق أحد الطرفين ما لم يحصل مرجّح
له، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح،فهذا المرجّح إن كان محقّقا لوجوب ذلك
الفعل فلا يستطيع العبد ترك الفعل بعد وجوبه،و إن لم يكن محقّقا لوجوبه فلا
يوجد؛إذ الشيء ما لم يجب لم يوجد،فلابدّ من مرجّح آخر ليجب،فإن وجب
فيستحيل تركه،و إلاّ فلا يوجد،و هكذا حتّى يجب صدوره و حينئذ فلا يقدر
العبد على تركه و هو معنى الجبر.
و الجواب:أنّا نرى وجدانا عند صدور عمل منّا أنّا نتصوّره أوّلا،ثمّ نتصوّر
فائدته لنا،ثمّ نتصوّر عدم المانع منه،أو نوطّن أنفسنا على ما يحدث بسببه
من الموانع،ثمّ نميل إليه،ثمّ نرى أنفسنا قادرين على إيجاده و على استمرار
عدمه،و هذه هي القدرة،ثمّ نختار أحد الأمرين،و هذه هي رتبة الاختيار و معنى
الاختيار طلب الخير،فليت شعري!متى صار الفعل جبريا و هو يصدر بالاختيار؟و
لو أراد أن لا يصدره لا يصدره.