الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٣ - مدح أحمد بن أبي دواد و كان منحرفا عنه ليشفع له في حبسه فقعد عنه فهجاه و شمت به بعد أن نفاه المتوكل
إذا ساعد الطّرف الفتى و جنانه
و أسمر خطّيّ و أبيض مبتر [١]
فذاك، و إن كان الكريم بنفسه،
إذا اصطكّت الأبطال في النّقع عسكر
منعتهم من أن ينالوا قلامة
و كنت شجاهم و الأسنّة تقطر
و تلك سجايانا قديما و حادثاً
بها عرف الماضي و عزّ المؤخّر
أبت لي قروم أنجبتني أن أرى
و إن جلّ خطب خاشعا أتضجّر
أولئك آل اللّه فهر بن مالك
بهم يجبر العظم الكسير و يكسر
هم المنكب العالي على كلّ منكب
سيوفهم تفني و تغني و تفقر
قال إن أباه حبسه في الكتاب و هو صبيّ فكتب إلى أمّه شعرا فكذبه إبراهيم بن المدبر:
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق و الحسن بن عليّ قالا جميعا حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عيسى بن أبي حرب قال حدّثني عليّ بن الجهم قال:
حبسني أبي في الكتّاب، فكتبت إلى أمي:
يا أمّتا أفديك من أمّ
أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرّح الصّبيان كلّهم
و بقيت محصورا بلا جرم
قال: و هو أوّل شعر قلته و بعثت به إلى أمّي؛ فأرسلت إلى أبي: و اللّه لئن لم تطلقه لأخرجنّ حاسرة حتى أطلقه. قال عيسى فحدّثت بهذا الخبر إبراهيم بن المدبّر فقال: عليّ بن الجهم/ كذّاب، و ما يمنعه من أن يكون ولّد هذا الحديث و قال هذا الشعر و له ستون سنة، ثم حدّثكم أنه قاله و هو صغير، ليرفع من شأن نفسه!.
مدح أحمد بن أبي دواد و كان منحرفا عنه ليشفع له في حبسه فقعد عنه فهجاه و شمت به بعد أن نفاه المتوكل:
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال:
كان أحمد بن أبي دواد منحرفا عن عليّ بن الجهم لاعتقاده مذهب الحشويّة [٢]. فلما حبس عليّ بن الجهم مدح أحمد بن أبي دواد عدّة مدائح، و سأله أن يقوم بأمره و يشفع فيه، فلم يفعل و قعد عنه. فمنها قوله:
يا أحمد بن أبي دواد إنّما
تدعى لكلّ عظيمة يا أحمد
أبلغ أمير المؤمنين و دونه
خوض الرّدى و مخاوف لا تنفد
أنتم بنو عمّ النبيّ محمد
أولى بما شرع النبيّ محمّد
و هذه الأبيات من قصيدته التي أوّلها:
قالت حبست فقلت ليس بضائري
[١] المعروف في «كتب اللغة» أن يقال سيف باتر و بتار (بتشديد التاء) و بتار (وزان غراب) و بتور. و لكن عليّ بن الجهم استعمل هنا هذه الصيغة، فرجحنا هذا الضبط؛ إذ المستعمل في القطع من هذه المادة إنما هو «بتر» الثلاثي، و اسم الآلة منه مبتر.
[٢] الحشوية: طائفة يقولون: حكم الأحاديث كلها واحد، و عندهم أن تارك النفل كتارك الفرض. و هم فرقة من المرجئة. (انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ج ٤ ص ١٦٢ طبع دار الكتب المصرية).