الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٣ - سمع الرشيد لحنين لها من جاريتيها عند إبراهيم الموصلي فرجع إليها و سمعهما منها و مدحهما
لي يا أمير المؤمنين. فقال للجارية: لمن الشعر و اللحن؟ فقالت لستّي. قال: و من ستّك؟ فقالت: عليّة أخت أمير المؤمنين. فوثب الرشيد و قال: يا إبراهيم احتفظ بالجاريتين. و مضى فركب حماره و انصرف إلى عليّة. هذا كله في رواية محمد بن طاهر، و لم يذكره محمد بن الحسن، و لكنه قال في خبره: إن الرشيد زار الموصلي هذه الزيارة ليلا، و كان سببها [١] أنه انتبه في نصف الليل فقال: هاتوا حماري فأتي بحمار كان له أسود يركبه في القصر قريب من الأرض، فركبه و خرج في درّاعة [٢] و شيء متلثّما بعمامة وشي ملتحفا برداء وشي، و خرج بين يديه مائة/ خادم أبيض سوى الفرّاشين. و كان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانته عنده، فلما خرج على باب القصر قال: أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: أردت منزل الموصليّ. قال مسرور: فمضى و نحن بين يديه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فتلقّاه و قبّل حافر حماره و قال: يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداءك، أ في مثل هذه الساعة تظهر!! قال: نعم! شوق طرق بي. ثم نزل فجلس في طرف الإيوان و أجلس إبراهيم. فقال له إبراهيم: يا سيّدي/ أ تنشط لشيء تأكله؟ قال: نعم، و ما هو؟ قال: خاميز [٣] ظبي. فأتي به كأنّما كان معدّا له فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب كان حمل معه. فقال له إبراهيم الموصليّ: أوّ غنّيك يا سيّدي أم يغنّيك إماؤك؟ فقال: بل الجواري. فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان و جانبيه. فقال: أ يضربن كلّهن أم واحدة واحدة؟ فقال: بل تضرب اثنتان اثنتان و تغنّي واحدة فواحدة. ففعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان و أحد جانبيه و الرّشيد يسمع و لا ينشط لشيء من غنائهنّ، إلى أن غنّت صبيّة من حاشية الصّفّ.
صوت
يا موري الزّند قد أعيت قوادحه
اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني و أسمجهم
إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
فطرب لغنائها و استعاد الصوت مرارا و شرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صانعه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت إليه، فأخبرته بشيء أسرّته إليه. فدعا بحماره فانصرف و التفت إلى إبراهيم فقال: ما عليك ألّا تكون خليفة! فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به بعد و أدناه. هذا نظم رواية محمد بن الحسن في خبره.
و قال محمد بن طاهر في خبره: فقال للموصليّ: احتفظ بالجاريتين، و ركب من ساعته إلى عليّة فقال: قد أحببت أن أشرب عندك اليوم. فتقدّمت فيما تصلحه، و أخذا في شأنهما. فلمّا أن كان في آخر الوقت حمل عليها بالنبيذ، ثم أخذ العود من حجر جارية فدفعه إليها، فأكبرت ذلك. فقال: و تربة المهديّ لتغنّنّ!. قالت: و ما أغنّي؟ قال: غنّي:
بني الحبّ على الجور فلو
/ فعلمت أنه قد وقف على القصة فغنّته. فلمّا أتت عليه قال لها غنّي:
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحب
فلجلجت ثم غنّته. فقام و قبّل رأسها و قال: يا سيّدي هذا عندك و لا أعلم! و تمّم يومه معها.
[١] في الأصول: «سببه».
[٢] الدراعة: ضرب من الثياب، أو هي جبة مشقوقة المقدم.
[٣] الخاميز: مرق السكباج المبرد المصفى من الدهن. أعجمي معرب.