الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٢ - غضب عليه المأمون و سجنه فاستعطفه حتى عفا عنه
و صنع فيه لحنا و غنّاه به، فأعجبه و أمر له بجائزة. لحن إبراهيم في هذين البيتين خفيف رمل بالبنصر، ذكر لي ذكاء و غيره ذلك.
غضب عليه المأمون و سجنه فاستعطفه حتى عفا عنه:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد النّحوي عن الجاحظ، و أخبرني به محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا يموت بن المزرّع عن الجاحظ قال:
أرسل إليّ ثمامة [١] يوم جلس المأمون لإبراهيم بن المهديّ و أمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا فجيء بإبراهيم، و أخبرني عمّي قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثني محمد بن عمرو الأنباريّ من أبناء خراسان قال:
لمّا ظفر المأمون بإبراهيم بن/ المهديّ أحبّ أن يوبّخه على رءوس الناس. قال: فجيء بابراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان و قال [٢]: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته. فقال له المأمون: لا سلّم اللّه عليك و لا حفظك و لا رعاك و لا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير المؤمنين! فلقد أصبحت وليّ ثأري، و القدرة تذهب الحفيظة، و من مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التّلف. و قد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ عفو- و قال الحسن بن عليل في خبره: و قد أصبحت فوق كلّ ذي ذنب، كما أصبح كلّ ذي عفو دونك- فإن تعاقب فبحقّك، و إن تعف فبفضلك. قال:
فأطرق مليّا ثم رفع رأسه فقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك. فالتفت فإذا المعتصم و العبّاس بن المأمون، فقال:
يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة و السياسة فقد أشارا عليك به و ما غشّاك إذ كان ما كان منّي، و لكنّ اللّه عوّدك من العفو عادة جريت عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك اللّه. فتبسّم المأمون و أقبل على ثمامة ثم قال: إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ و يغلب السّحر، و إن كلام عمّي منه، أطلقوا عن عمّي/ حديده و ردّوه إليّ مكرّما. فلما ردّ إليه قال: يا عمّ صر إلى المنادمة و ارجع إلى الأنس، فلن ترى منّي أبدا إلّا ما تحبّ.
فلمّا كان من الغد بعث إليه بدرج [٣] فيه:
يا خير من ذملت يمانية به
بعد الرسول لآيس أو طامع
و أبرّ من عبد الإله على الهدى
نفسا و أحكمه بحقّ صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج
فالموت في جرع السّمام النّاقع [٤]
متيقّظا حذرا و ما يخشى العدا
نبهان من وسنات ليل الهاجع
و اللّه يعلم ما أقول فإنها
جهد الأليّة من حنيف راكع
[١] ثمامة: هو ثمامة بن أشرس أبو معن النميري أحد المعتزلة البصريين، ورد بغداد و اتصل بهارون الرشيد و غيره من الخلفاء، و له أخبار و نوادر يحكيها عنه أبو عثمان الجاحظ و غيره. (انظر «تاريخ بغداد» ج ٧ ص ١٤٥).
[٢] انظر في هذا المقام الطبري ق ٣ ص ١٠٧٦ طبع أوربا و «تاريخ بغداد» ج ٦ ص ١٤٤ طبع مصر.
[٣] الدرج (بالفتح و يحرّك): ما يكتب فيه.
[٤] رواية الطبري:
فالصاب يمزج بالسمام الناقع