الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٠ - غنى بحضرة المأمون لحنا و أراد ابن بسخنر أن يأخذه عنه فضلله
قال: و دجلة تطفح و بيننا و بينها نحو ذراعين و ذلك في الربيع، فتأمّلت القصّة، فإذا هو قد سكر، و إذا الجارية لا تقوله كما أقوله أبدا. فقلت: هذه و اللّه داهية، و يتنغّص عليه يومه و أشرك في دمها، فعدلت عمّا كنت أغنّيه عليه و تركت ما كنت أقوله، و غنّيته كما كانت هي تقوله، و جعلت أردّده حتى انقضت ثلاث مرّات أعيده فيها على ما كانت هي تقوله، و أريته أنّى أجتهد. فلما انقضت الثلاث المرّات قلت لها: هاتيه الآن، فغنّته على ما كان وقع لها. فقلت: أحسنت يا أمير المؤمنين، و ردّدته معها ثلاث مرّات، فطابت نفسه و سكن، و أمر لي بثلاثين ألف درهم.
حدث لجحظة مع طرخان ما حدث له هو مع الأمين:
قال جحظة: و قد لحقني مثل هذا؛ فإنّ طرخان [١] بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق استحسن صوتا غنّيته و هو:
أعياني الشّادن الرّبيب
أكتب أشكو فلا يجيب
من أين أبغي شفاء دائي
و إنما دائي الطّبيب
- و لحنه رمل- فقال: أحبّ أن تطرحه على زهرة جاريتي، فمكثت أتردّد إليها شهرا و أكثر و أردّده عليها و هو يصلني و يخلع عليّ و يعطيني كلّ شيء حسن يكون في مجلسه، فلا تأخذه منّي و لا يقع لها. فلمّا كان بعد شهر قلت له: أيّها الأمير قد و اللّه استحييت من كثرة ما تعطيني بسبب هذا الصوت، و قد أعياني أن تأخذه زهرة؛ ثم حدّثته حديث إبراهيم بن المهديّ و قلت له: لو لا أني آمنك عليها لقلته أنا كما تقوله هي حتى نتخلّص جميعا.
و ليس و حياتك تأخذه أبدا كما أقوله و لا فيه حيلة. فقال لي: فدعه إذا.
غنى بحضرة المأمون لحنا و أراد ابن بُسخُنَّر أن يأخذه عنه فضلله:
حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر قال:
غنّى إبراهيم بن المهديّ يوما بحضرة المأمون:
صوت
يا صاح يا ذا الضّامر العنس
و الرّحل ذي الأنساع و الحلس
أمّا النّهار فأنت تقطعه
رتكا و تصبح مثل ما تمسي
- في هذين البيتين لحن لمالك خفيف ثقيل عن يونس و الهشاميّ. قال: و لمعبد فيه ثقيل أوّل،/ و قد نسب قوم لحن كلّ واحد منهما إلى الآخر. قال محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر في الخبر: و اللحن لمالك بن أبي السّمح و هو من قصاره. هكذا في الخبر- قال: فاستحسنه المأمون، و ذهبت آخذه، ففطن لي إبراهيم فجعل يزيد فيه مرّة و ينقص منه أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء، و علمت ما هو يصنع فتركته. فلمّا قام قلت للمأمون: يا سيّدي إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي عليّ:
يا صاح يا ذا الضّامر العنس
[١] كان من الأمراء. (انظر الكلام عليه في «صلة تاريخ الطبري» ص ٦٣).