الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - أنشد المنصور شعرا فأعطاه دارا و كسوة ثم احتاج إلى الدار و عوضه بدلها
خرج المهديّ و عليّ بن سليمان إلى الصّيد، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب و أجريت الخيل، فرمى المهديّ ظبيا بسهم فصرعه، و رمى عليّ بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله. فقال أبو دلامة:
قد رمى المهديّ ظبيا
شكّ بالسهم فؤاده
و عليّ بن سليما
ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كلّ
امرئ يأكل زاده
/ فضحك المهديّ حتى كاد أن يسقط عن سرجه، و قال: صدق و اللّه أبو دلامة، و أمر له بجائزة/ سنيّة.
أخبرني بهذا الخبر عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ فذكر مثل ما ذكره و قال فيه: فلقّب عليّ بن سليمان «صائد الكلب» و علق به.
أنشد المنصور شعرا فأعطاه دارا و كسوة ثم احتاج إلى الدار و عوّضه بدلها:
قال ابن النطّاح: و أنشد أبو دلامة المنصور يوما:
هاتيك والدتي عجوز همّة [١]
مثل البليّة درعها في المشجب [٢]
مهزولة اللّحيين [٣] من يرها يقل
أبصرت غولا أو خيال القطرب [٤]
ما إن تركت لها و لا لآبن لها
مالا يؤمّل غير بكر أجرب
و دجائجا [٥] خمسا يرحن إليهم
لمّا يبضن و غير عير [٦] مغرب
كتبوا إليّ صحيفة مطبوعة [٧]
جعلوا عليها طينة كالعقرب
فعلمت أنّ الشّرّ عند فكاكها
ففككتها عن مثل ريح الجورب
و إذا شبيه بالأفاعي رقّشت
يوعدنني بتلمّظ و تثؤّب [٨]
يشكون أنّ الجوع أهلك بعضهم
لزبا [٩] فهل لك في عيال لزّب
لا يسألونك غير طلّ سحابة
تغشاهم من سيلك المتحلّب
يا باذل الخيرات يا ابن بذولها
و ابن الكرام و كلّ قرم منجب
أنتم بنو العبّاس يعلم أنّكم
قدما فوارس كلّ يوم أشهب
[١] الهمة: العجوز الفانية.
[٢] المشجب (و مثله الشجاب): خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب و تنشر. يريد أن أمه فنيت حتى أشهت خشبات المشجب.
[٣] اللحى: عظم الحنك و هو الذي عليه الأسنان.
[٤] القطرب هنا: ذكر الغيلان أو الصغير من الجن.
[٥] يجوز في تابع المستثنى بغير مراعاة اللفظ و مراعاة المعنى. و قد روعي هنا المعنى.
[٦] العير (بالفتح): الحمار. و المغرب: الذي اشتد بياضه حتى نبيضّ محاجره و أرفاغه.
[٧] مطبوعة: مختومة.
[٨] في الأصول «و تثاؤب» و يقال لغة تثاءب و تثأب التضعيف. و قد آثرنا الثانية لأنه على رواية الأصول تكون في القافية ألف الأساس، و إذا كانت لزمت في القصيدة كلها.
[٩] اللزب (بالتحريك): ضيق العيش.