الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٣ - نسخة جواب إبراهيم بعد ما ذهب منه
و أمّا الرّئاسة فقد جعلها اللّه لك على أهل هذا العمل، و لا رئاسة لي عليهم و لا لك عليّ؛ لأني في العلم مناظر و في العمل متلذّذ. فلا تظلمني و لا نفسك لي.
و من بعد فإني أحبّ أن تخبرني كيف أنت اليوم بعد. و اللّه غممتني، لا غمّك اللّه و لا غمّني بك. و لو شئت أرسلت إلى يحيى بن خالد طبيب أخي عبيد اللّه فإنه رفيق مبارك عليم، و هو منك قريب في دار الرّوم، أخذت برأيه و من علاجه. وهب اللّه لك العافية و وهبها لي فيك برحمته.
و إنّما ذكرت هذا الابتداء و جوابه على طولهما، و هما قليل من كثير من مكاتباتهما، لتعرف بهما طرفا من مقدارهما في المنازعة و المجادلة، و أن إسحاق كان يريد من إبراهيم التّواضع له و الخنوع برئاسته و يتحامل عليه في بعض/ الأوقات، و ينحو إبراهيم نحو ما فعله به؛ لأنّ نفسه تأبى ما يريده إسحاق منه، فيستعمل معه من المباينة مثل ما استعمله، و يكونان في طرفين من الظّلم يبعد كلّ واحد منهما عن إنصاف صاحبه. و قد روى يوسف بن إبراهيم أخبارا فيما جرى بينهما- فوجدت كلامهما مرصوفا رصف إبراهيم بن المهديّ و منظوما نظم منطقه- فيها تحامل على إسحاق شديد، و حكايات ينسب من نقلها إلى جهل بصناعته كان إسحاق بعيدا من مثله، فعلمت أن إبراهيم عمل ذلك و ألّفه و أمر يوسف بنشره في الناس ليدور في أيديهم ذكر له يفضل به. و ذلك بعيد وقوعه، و لن تدفع الحقائق بالأكاذيب، و لا يزيل/ الخطأ الصواب، و لا الخطل السداد. و كفى من نضح عن إسحاق بأن أغاني إبراهيم بن المهديّ لا يكاد يعرف منها صوت و لا يروى منها إلّا اليسير، و أنّ كلامه في تجنيس الطرائق اطّرح، و عمل على مذهب إسحاق، و انقضى الصّنع لإبراهيم بذلك مع انقضاء مدّته، كما يضمحلّ الباطل مع أهله. فعدلت عن ذكر تلك الأخبار؛ لا لأنّها لم تقع إليّ، و لكنّها أخبار يتبين فيها التحامل و الحنق، و تتضمّن من السبّ لإسحاق و الشتم و التجهيل ما يعلم أنه لم يكن يقضي على مثله لأحد و لو خاف القتل [١]، فاستبردت ذلك و اطّرحته، و اعتمدت من أخبار إبراهيم على الصحيح، و ما جرى مجرى هذا الكتاب من خبر مستحسن و حكاية ظريفة دون ما يجري مجرى التحامل؛ فقد مضى في صدر الكتاب من أخبارهما و إغصاص إسحاق إيّاه بريقه و تجريعه أمرّ من الصبر ما ينبئ عن بطلان غيره.
و ممن صنع من أولاد الخلفاء عليّة بنت المهديّ، و لا أعلم أحدا منهم بعد إبراهيم أخيها كان يتقدّمها. و كان يقال: ما اجتمع في الجاهلية و لا الإسلام أخ و أخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهديّ و عليّة أخته. و أخبارها تذكر بعد هذا تالية لما أذكره من غنائها. فمن صنعتها:
صوت
تضحك عمّا لو سقت منه شفا
من أقحوان بلّه قطر النّدى
أغرّ يجلو عن غشا العين العشا
حلو بعيني كلّ كهل و فتى
إنّ فؤادي لا تسلّيه الرّقى
لو كان عنها صاحيا لقد صحا
الشعر لأبي النّجم العجليّ. و الغناء لعليّة بنت المهديّ رمل بالوسطى.
[١] في هذه الجملة غموض. و لعلها تصح على هذا الوجه «... ما يعلم أنه لم يكن يقضي بمثله على أحد و لو خاف القتلى» أو نحو ذلك.