الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٥ - أمره المنصور بملازمة الجماعة في مسجد القصر فقال شعرا يستعفيه
صلاة و لا مسجدا، و قد أفسد فتيان العسكر. فلو أمرته/ بالصلاة معك لأجرت فيه و في غيره من فتيان عسكرك بقطعه عنهم. فلمّا دخل عليه أبو دلامة قال له: يا ابن اللّخناء، ما هذا المجون الذي يبلغني عنك!. قال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما أنا و المجون و قد شارفت باب قبري!. قال: دعني من استكانتك و تضرّعك، و إيّاك أن تفوتك صلاة الظهر و العصر في مسجدي. فلئن فاتتاك لأحسننّ أدبك و لأطيلنّ حبسك. فوقع في شرّ و لزم المسجد أيّاما،/ ثم كتب قصّته و دفعها إلى المهديّ فأوصلها إلى أبيه، و كان فيها:
أ لم تعلما أنّ الخليفة لزّتي [١]
بمسجده و القصر ما لي و للقصر!
أصلّي به الأولى جميعا و عصرها
فويلي من الأولى و ويلي [٢] من العصر
أصلّيهما بالكره في غير مسجدي
فمالي في الأولى و لا العصر من أجر
لقد كان في قومي مساجد جمّة
سواه و لكن كان قدرا من القدر
يكلفني من بعد ما شبت خطّة
يحطّ بها عنّي الثقيل من الوزر
و ما ضرّه و اللّه يغفر ذنبه
لو انّ ذنوب العالمين على ظهري
قال: فلمّا قرأ المنصور قصّته ضحك و أعفاه من الحضور معه، و أحلفه أن يصلّي الصلاة في مسجد قبيلته.
أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد عن الزّبير عن عمّه، و نسخت من بعض الكتب عن نصر بن محمد الخرّاز [٣] عن أبيه عن الهيثم بن عديّ و روّانيه بعض من روى عن الزّبير.
أنّ أبا جعفر كان يحبّ العبث بأبي دلامة- و قال الآخر: إنّ أبا العبّاس السّفّاح كان يحب ذلك- فكان يسأل عنه فيوجد في بيوت الخمّارين لا فضل فيه. فعاتبه/ على انقطاعه عنه؛ فقال: إنما أفعل ذلك خوفا أن تملّني.
فعلم أنه يحاجزه [٤]، فأمر الربيع أن يوكّل به من يحضره الصلوات معه في جماعة في الدار. فلمّا طال ذلك عليه قال:
أ لم تريا أنّ الخليفة لزّني
بمسجده و القصر ما لي و للقصر!
فقد صدّني عن مسجد أستلذّه
أعلّل فيه بالسّماع و بالخمر
و كلّفني الأولى جميعا و عصرها
فويلي من الأولى و عولي من العصر
أصلّيهما بالكره في غير مسجدي
فمالي من الأولى و لا العصر من أجر
يكلّفني من بعد ما شبت توبة
يحطّ بها عني المثاقيل من وزري
لقد كان في قومي مساجد جمّة
و لم ينشرح يوما لغشيانها صدري
و و اللّه ما لي نيّة في صلاته
و لا البرّ و الإحسان و الخير من أمري
و ما ضرّه و اللّه يغفر ذنبه
لو انّ ذنوب العالمين على ظهري
[١] لزه بكذا: ألزمه إياه.
[٢] في ج: «وعولي».
[٣] في ح: «الخرزي». و في أ، م: «الخرازي».
[٤] يعني: يتخلص منه و ينتحل المعاذير الباطلة لانقطاعه عنه.