الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٣ - بكاه المأمون و تمثل شعرا و عزاه فيه ابن أبي دواد و عمرو بن مسعدة و ناحت عليه عريب
/ لمّا توفّي أبو عيسى بن الرّشيد وجد المأمون عليه وجدا شديدا، و كان له محبّا و إليه مائلا. فركب إلى داره حتى حضر أمره و صلّى عليه، و حضره الناس، و كنت فيمن حضر، فما رأيت مصابا حزينا قطّ أجمل أمرا في مصيبة و لا أحرق وجدا منه من رجل صامت تجري دموعه على خدّيه من غير كلح [١] و لا استنثار.
بكاه المأمون و تمثل شعرا و عزاه فيه ابن أبي دواد و عمرو بن مسعدة و ناحت عليه عريب:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد الورّاق قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال حدّثني أبي قال قال أحمد بن أبي دواد:
دخلت على المأمون في أوّل صحبتي إيّاه و قد توفّي أخوه أبو عيسى و كان له محبّا و هو يبكي و يمسح عينيه بمنديل، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة و تمثّلت قول الشاعر:
نقص من الدّنيا و أسبابها
نقص المنايا من بني هاشم
و لم يزل على تلك الحال ساعة يبكي، ثم مسح عينيه و تمثّل:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض
فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح
كأن لم يمت حيّ سواك و لم تنح
على أحد إلّا عليك النوائح
ثم التفت إليّ فقال: هيه يا أحمد! فتمثّلت قول عبدة بن الطّبيب:
عليك سلام اللّه قيس بن عاصم
و رحمته ما شاء أن يترحّما
تحيّة من أوليته منك نعمة
إذا زار عن شحط بلادك سلّما
و ما كان قيس هلكه هلك واحد
و لكنّه بنيان قوم تهدّما
فبكى ساعة ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو! قال: نعم يا أمير المؤمنين
بكّوا حذيفة لم تبكّوا مثله
حتى تعود قبائل لم تخلق
/ فإذا عريب و جوار معها يسمعن ما يدور بيننا، فقلن: اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا. فقال لها المأمون: قولي، فربّ صواب منك كثير. فقالت:
كذا [٢] فليجلّ الخطب و ليفدح الأمر
و ليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كأنّ بني العبّاس يوم وفاته
نجوم سماء خرّ من بينها البدر
فبكى و بكينا. ثم قال لها المأمون: نوحي، فناحت و ردّ عليها الجواري. فبكى المأمون حتى قلت: قد خرجت نفسه، و بكينا معه أحرّ بكاء، ثم أمسكت. فقال لها المأمون: اصنعي فيه لحنا و غنّي به. فصنعت فيه لحنا على مذهب النّوح و غنّته إيّاه على العود. فو الذي لا يحلف بأجلّ منه لقد بكينا عليه غناء أكثر ممّا بكينا عليه نوحا.
[١] كذا في الأصول. و الذي في «كتب اللغة». كلح وجه الرجل كلوحا و كلاحا (كغراب): تكشر في عبوس أو عبّس فأفرط في تعبسه.
و الاستنثار: إخراج ما في الأنف من أذى.
[٢] يلحظ أن هذا الشعر لأبي تمام في رثاء محمد بن حميد الطوسي، و قد قتل هذا الأمير في حرب كانت بينه و بين أصحاب بابك الخرمي سنة ٢١٤ هجرية. و المروي هنا أن أبا عيسى بن الرشيد مات سنة ٢٠٩ هجرية، فتأمل هذا، و أصل الشعر «كأن بني نبهان» فغير و جعل «كأن بني العباس».