الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٨ - قصة زواج الحارث بن عوف ببهيسة بنت أوس و تحمله الدية في ماله بين عبس و ذبيان
رآنا لا نقف عليه صاح: يا حار اربع عليّ ساعة. فوقفنا له فكلّمه بذلك الكلام فرجع مسرورا. فبلغني أن أوسا لمّا دخل منزله قال لزوجته أدعي لي فلانة (لأكبر بناته) فأتته، فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيّد من سادات العرب، قد جاءني طالبا خاطبا، و قد أردت أن أزوّجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل./ قال: و لم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردّة [١]، و في خلقي بعض العهدة [٢]، و لست بابنة عمّه فيرعى رحمي، و ليس بجارك في البلد فيستحي منك، و لا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلّقني فيكون عليّ في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك اللّه عليك.
ادعي لي فلانة (لابنته الوسطى)؛ فدعتها، ثم قال لها مثل قوله لأختها؛ فأجابته بمثل/ جوابها و قالت: إني خرقاء و ليست بيدي صناعة، و لا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلّقني فيكون عليّ في ذلك ما تعلم، و ليس بابن عمّي فيرعى حقّي، و لا جارك في بلدك فيستحييك. قال: قومي بارك اللّه عليك. أدعي لي بهيسة (يعني الصغرى)، فأتي بها فقال لها كما قال لهما. فقالت: أنت و ذاك. فقال لها: إني قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. فقالت- و لم يذكر لها مقالتيهما- لكنّي و اللّه الجميلة وجها، الصّناع يدا، الرفيعة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف اللّه عليه بخير.
فقال: بارك اللّه عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوّجتك يا حارث بهيسة بنت أوس. قال: قد قبلت. فأمر أمّها أن تهيّئها و تصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، و أنزله إيّاه. فلمّا هيّئت بعث بها إليه. فلمّا أدخلت إليه لبث هنيهة ثم خرج إليّ. فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا و اللّه. قلت: و كيف ذاك؟ قال: لمّا مددت يدي إليها قالت: مه! أ عند أبي و إخوتي!! هذا و اللّه ما لا يكون. قال: فأمر بالرّحلة فارتحلنا و رحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء اللّه. ثم قال لي: تقدّم فتقدمت، و عدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحق بي. فقلت: أفرغت؟ قال لا و اللّه. قلت: و لم؟ قال:
قالت لي: أ كما يفعل بالأمة الجليبة أو السبيّة الأخيذة! لا و اللّه حتى تنحر الجزر، و تذبح الغنم و تدعو العرب، و تعمل ما يعمل لمثلي. قلت: و اللّه إني لأرى همّة و عقلا، و أرجو أن تكون المرأة منجبة إن شاء اللّه. فرحلنا حتى جئنا بلادنا، فأحضر الإبل و الغنم، ثم دخل عليها و خرج إليّ. فقلت: أفرغت؟ قال لا. قلت: و لم؟ قال: دخلت عليها أريدها، و قلت لها قد أحضرنا من المال ما قد ترين، فقالت: و اللّه لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك.
قلت: و كيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النّساء و العرب تقتل بعضها! (و ذلك في أيام حرب عبس و ذبيان). قلت: فيكون ما ذا؟ قالت: اخرج/ إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك. فقلت: و اللّه إني لأرى همّة و عقلا، و لقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا. فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا فيما بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى؛ فيؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الدّيات، فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين، فانصرفنا بأجمل الذّكر. قال محمد بن عبد العزيز: فمدحوا بذلك، و قال فيه زهير بن أبي سلمى قصيدته:
أ من أمّ أوفى دمنة لم تكلّم
فذكرهما فيها فقال:
تداركتما عبسا و ذبيان بعد ما
تفانوا و دقّوا بينهم عطر منشم [٣]
[١] الردة: القبح مع شيء من الجمال.
[٢] العهدة: الضعف.
[٣] منشم زعموا أنها امرأة عطارة من خزاعة، فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا، فضرب زهير بها المثل، أي صار هؤلاء في شدة الأمر بمنزلة أولئك. و قيل: هي امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرا فإذا حاربوا اشتروا منها كافورا لموتاهم فتشاءموا بها، و كانت تسكن مكة. و فيه أقوال أخرى كثيرة راجعها في «لسان العرب» (في مادة نشم) و أمثال الميداني في