الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٣ - أ أمره مروان بن محمد بمبارزة خارجي ففر منه
قلت: و لا أنا و اللّه لك إلا جميل الرأي، و إني لأهواك و أنتحل مذهبك و أدين دينك و أريد السّوء لمن أراده لك.
قال: يا هذا جزاك اللّه خيرا فانصرف. قلت: إنّ معي زادا أحبّ أن آكله معك، و أحبّ مواكلتك لتتوكّد المودّة بيننا، و يرى أهل العسكر هوانهم علينا. قال: فافعل. فتقدّمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابّنا و جمعنا أرجلنا على معارفها و الناس قد غلبوا ضحكا. فلما استوفينا ودّعني. ثم قلت له: إنّ هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني و تتعب. فإن رأيت ألّا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت، ثم انصرف و انصرفت.
فقلت لروح: أمّا أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك. و خرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت [١]:
إني أعوذ بروح أن يقدّمني
إلى البراز فتخزى بي بنو أسد
إنّ البراز إلى الأقران أعلمه
مما يفرّق بين الروح و الجسد
قد حالفتك المنايا إذ صمدت [٢] لها
و أصبحت لجميع الخلق بالرّصد
/ إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم
و ما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لي مهجة أخرى لجدت بها
لكنّها خلقت فردا فلم أجد
فضحك و أعفاني.
أ أمره مروان بن محمد بمبارزة خارجي ففر منه:
أخبرني إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة قال قال أبو دلامة:
كنت/ في عسكر مروان [٣] أيام زحف إلى سنان الخارجيّ. فلمّا التقى الزّحفان خرج منهم رجل فنادى:
من يبارز! فلم يخرج إليه أحد إلّا أعجله و لم ينهنهه [٤]. فغاظ ذلك مروان و جعل يندب الناس على [٥] خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فزاد مروان و ندبهم على ألف، و لم يزل يزيدهم حتى بلغ خمسة آلاف درهم. و كان تحتي فرس لا أخاف خونه؛ فلمّا سمعت بالخمسة [٦] آلاف ترقّبته [٧] و اقتحمت الصّفّ. و اقتحمت الصّفّ. فلمّا نظرني الخارجيّ علم أنّي خرجت للطمع؛ فأقبل إليّ متهيّئا و إذا عليه فرو قد أصابه المطر فابتلّ، ثم أصابته الشمس فأقفعلّ، و إذا عيناه تقدان كأنّهما من غورهما في وقبين [٨]. فلمّا دنا منّي أنشأ يقول:
[١] وردت هذه الأبيات في «وفيات الأعيان» لابن خلكان هكذا:
إني أعوذ بروح أن يقدمني
إلى القتال فيخزي بي بنو أسد
إن المهلب حب الموت أورثكم
و لم أرث أنا حب الموت من أحد
إن الدنوّ إلى الأعداء أعلمه
مما يفرق بين الروح و الجسد
[٢] في الأصول: «إن صدمت» و هو تحريف.
[٣] يعني مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
[٤] نهنهه: كفه و زجره. و سياق الكلام يقتضي أن يكون «و لم يمهله».
[٥] في الأصول: «عن».
[٦] هذه لغة ضعيفة و أفصح اللغات: «بخمسة الآلاف».
[٧] ترقبته: رصدته.
[٨] الوقب هنا: نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء.