الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٥ - علمه إسحاق لحنا فطرب له الأمين و قصة ذلك
إقرار ابن بانة له و لإسحاق بالعلو في فن الغناء:
أخبرني يحيى قال حدّثني أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال:
رأيت إسحاق الموصليّ يناظر إبراهيم بن المهديّ في الغناء، فتكلّما فيه بما فهماه و لم نفهم منه شيئا.
فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء ما نحن منه في قليل و لا كثير.
فضل المأمون غناءه على غناء إسحاق في شعر للأخطل:
أخبرني عمّي عن عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه حمدون: أنّ المأمون قال لإسحاق: غنّني لحنك في شعر الأخطل:
يا قلّ خير الغواني كيف رغن به
فشربه و شل منهنّ تصريد [١]
فغنّاه إيّاه فاستحسنه، ثم قال لإبراهيم بن المهديّ: هل صنعت في هذا الشعر شيئا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: فهاته؛ فغنّاه فاستحسنه المأمون و قدّمه على صنعة إسحاق، و لم يدفع إسحاق ذلك.
علمه إسحاق لحنا فطرب له الأمين و قصة ذلك:
أخبرني أبو الحسن عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى الموصليّ قال ذكر أبي عن جدّي عن عبد اللّه بن عيسى الماهانيّ قال:
دخلت يوما على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في حاجة، فرأيت عليه مطرف خزّ أسود ما رأيت قطّ أحسن منه؛ فتحدّثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف فقال: لقد كانت/ لكم أيّام حسنة و دولة عجيبة، فكيف ترى هذا؟
فقلت له: ما رأيت مثله. فقال: إن قيمته مائة ألف درهم، و له حديث عجيب. فقلت له: ما أقوّمه إلّا نحوا من مائة دينار. فقال إسحاق: اسمع حديثه: شربنا يوما من الأيّام، فبتّ و أنا مثخن، فانتبهت لرسول محمد الأمين، فدخل عليّ فقال لي: يقول لك أمير المؤمنين عجّل إليّ- و كان بخيلا على الطعام فكنت آكل قبل أن أذهب إليه- فقمت فتسوّكت و أصلحت أمري، و أعجلني الرسول عن الغداء. فدخلت عليه و إبراهيم بن المهديّ جالس عن يمينه و عليه هذا المطرف و جبّة خزّ دكناء. فقال لي محمد: يا إسحاق تغدّيت؟ فقلت: نعم يا سيّدي. فقال:
إنّك لنهم، أ هذا وقت غداء! فقلت: أصبحت يا أمير المؤمنين و بي خمار، فكان ذلك ممّا حداني [٢] على الأكل.
فقال لهم: كم شربنا؟ فقالوا: ثلاثة أرطال. فقال: اسقوه مثلها. فقلت: إن رأيت أن تفرّقها عليّ! فقال: تسقى رطلين و رطلا. فدفع إليّ رطلان فجعلت أشربهما و أنا أتوهّم أنّ نفسي تسيل معهما، ثم دفع إليّ رطل آخر فشربته فكأنّ شيئا انجلى عنّي. فقال غنّني:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
و أيسر جرما منك ضرّج بالدّم
فغنّيته؛ فقال: أحسنت و طرب، ثم قام فدخل. و كان يفعل ذلك كثيرا، يدخل إلى النساء/ و يدعنا.
فقمت في أثر قيامه فدعوت غلاما لي فقلت: اذهب إلى منزلي و جئني
[١] كذا في «ديوان الأخطل» (طبع المطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة ١٨٩١ م). و في الأصول: «لشربة». و الشرب (بالكسر) هنا:
الحظ من الماء. و الوشل هنا: القليل. و التصريد: السقي دون الري. يريد بهذا الشطر أن حظه منهن قليل.
[٢] كذا في ج. و في سائر الأصول: «جرأني».