الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٠ - كانت تحب لحن الرمل
في يديها كأسان و في يده كأس. فلما صعدا إليه اندفع فغنّى:
/
حيّا كما اللّه خليليّا
إن ميّتا كنت و إن حيّا
إن قلتما خيرا فأهلا [١] به
أو قلتما غيّا فلا غيّا
ثم ناول كلّ واحد منهما كأسا، و أخذ هو الكأس الثالث [٢] الذي في يد الجارية و قال: هلمّ نشرب على ريقنا قدحا. ثم دعا بالطعام فأكلنا، و وضع النبيذ فشربنا، و غنّياه و غنّاهما و ضربا معه و ضرب معهما، و غنّت الصبيّة، فطرب أبي و قال لها: أحسنت أحسنت!. فقال له إبراهيم: إن كانت أحسنت فخذها، فما أخرجتها إلّا لك.
شكت إليها أم جعفر انقطاع الرشيد فقالت شعرا و غنت به فرجع إليها:
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم و إسماعيل بن يونس قالا حدّثنا أبو هفّان قال:
أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال و الكمال، فخلا معها يوما و أخرج كلّ قينة في داره و اصطبح، فكان جميع من حضره من جواريه المغنّيات و الخدمة في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زيّ من كلّ نوع من أنواع الثياب و الجوهر. و اتّصل الخبر بأمّ جعفر فغلظ عليها ذلك، فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها. فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنّك هذا، فو اللّه لأردنّه إليك، قد عزمت أن أصنع شعرا و أصوغ فيه لحنا و أطرحه على جواريّ، فلا تبقى عندك جارية إلّا بعثت بها إليّ و ألبسيهنّ ألوان الثياب ليأخذن الصوت مع جواريّ، ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به عليّة. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا و عليّة قد خرجت عليه من حجرتها، و أم جعفر من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها و سائر جواري القصر، عليهنّ غرائب اللباس، و كلهنّ في لحن واحد هزج صنعته عليّة:
صوت
منفصل عنّي و ما
قلبي عنه منفصل
يا قاطعي اليوم لمن
نويت بعدي أن تصل
/ فطرب الرّشيد و قام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر و عليّة هو على غاية السرور، و قال: لم أر كاليوم قطّ. يا مسرور لا تبقينّ في بيت المال درهما إلا نثرته. فكان مبلغ ما نثره يومئذ ستة آلاف ألف درهم، و ما سمع بمثل ذلك اليوم قطّ.
كانت تحب لحن الرمل:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال/ حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال:
كانت عليّة تقول: من لم يطربه الرمل لم يطربه شيء. و كانت تقول: من أصبح و عنده طباهجة [٣] باردة و لم يصطبح فعليه لعنة اللّه.
[١] كذا في ح. و في أ، م: «فأهلا له». و في ب س: «فخير لكم».
[٢] كذا في الأصول. و يلاحظ أن الكأس مؤنثه.
[٣] الطباهجة: ضرب من اللحم المقلي.