الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١١ - أغضب المنصور لكثرة مدحه السفاح
ويلي عليك أهلي كلّهم
ويلا و عولا في الحياة طويلا
/ فلتبكينّ لك النساء بعبرة
و ليبكينّ لك الرّجال عويلا
مات النّدى إذ متّ يا ابن محمد
فجعلته لك في الثّراء [١] عديلا
إنّي سألت الناس بعدك كلّهم
فوجدت أسمح من سألت بخيلا
أ لشقوتي أخّرت بعدك للتي
تدع العزيز من الرجال ذليلا
/ فلأحلفنّ يمين حقّ برّة
باللّه ما أعطيت بعدك سولا [٢]
قال: فأبكى الناس قوله. فغضب المنصور غضبا شديدا و قال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعنّ لسانك. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، إنّ أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرما و هو الذي جاء بي من البدو كما جاء اللّه بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فسرّي عن المنصور و قال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العبّاس أمر لي بعشرة آلاف درهم و خمسين ثوبا و هو مريض و لم أقبضها. فقال المنصور: و من يعرف هذا؟ فقال: هؤلاء، و أشار إلى جماعة ممنن حضر. فوثب سليمان بن مجالد و أبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن و هو مغيظ: يا سليمان ادفعها إليه و سيّره إلى هذا الطاغية (يعني عبد اللّه بن عليّ [٣]، و قد كان خرج بناحية الشام، و أظهر الخلاف). فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، إني أعيذك باللّه أن أخرج معهم، فو اللّه إني لمشئوم. فقال المنصور: امض فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج.
/ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما أحبّ لك أن تجرّب ذلك منّي على مثل هذا العسكر؛ فإني لا أدري أيّهما يغلب: أ يمنك أم شؤمي، إلّا أني بنفسي أوثق و أعرف و أطول تجربة. قال: دعني من هذا فمالك من الخروج بد. فقال: إني أصدقك الآن، شهدت و اللّه تسعة عشر عسكرا كلّها هزمت؛ و كنت سببها. فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فاستغرب [٤] أبو جعفر ضحكا، و أمره أن يتخلّف مع عيسى [٥] بن موسى بالكوفة.
أغضب المنصور لكثرة مدحه السفاح:
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال:
لمّا مات أبو العبّاس السفّاح و ولي المنصور، دخل عليه أبو دلامة، فقال له أبو جعفر: أ لست القائل لأبي العبّاس:
[١] الثراء: لغة في الثري. و سيرد في الصفحة التالية رواية أخرى: «بالتراب».
[٢] السول (يهمز و لا يهمز): ما سألته.
[٣] هو عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس عم الخليفة المنصور، خرج عليه سنة ست و ثلاثين و مائة و دعا لنفسه؛ فوجه إليه المنصور أبا مسلم الخراساني و وقعت له معه وقعة هائلة دارت فيها الدائرة أخيرا على عبد اللّه.
[٤] أي أكثر من الضحك و بالغ فيه.
[٥] هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي العباسي أمير الكوفة. و كان وليّ عهد المنصور بعهد من السفاح ثم قدّم المنصور عليه في ولاية العهد ابنه المهدي، ثم خلعه المهدي من ولاية العهد.