الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٣ - جرير يودع ابنه يحيى بن أبي حفصة
فعليك بالرّهينة. فلما أتى مروان عليّا كساه كسوة، فكساها مروان أبا حفصة، فغدا فيها أبو حفصة. و بلغ عليّا رضي اللّه عنه ذلك فغضب و قال: كسوته كسوة فكساها عبدا!. و شهد أبو حفصة مع مروان مرج [١] راهط، و كان له بلاء. و كان أبو حفصة شاعرا.
قال أبو أحمد قال لي محمد بن إدريس أخبرني أبي أنّ أبا السّمط مروان بن أبي الجنوب أنشده لأبي حفصة يوم الدّار:
و ما قلت يوم الدّار للقوم صالحوا
أجل لا، و لا اخترت الحياة على القتل
و لكنّني قد قلت للقوم جالدوا
بأسيافكم لا يخلصنّ إلى الكهل
/ قال: و أنشدني لأبي حفصة أيضا:
لست على الزّحام بالأصر [٢]
إني لورّاد حياض الشرّ
معاود للكرّ بعد الكرّ
قال يحيى و أخبرني محمد بن إدريس قال:
عكل تدّعي أنّ أبا حفصة منهم، يقولون: هو من كنانة بن عوف بن عبد مناة بن طابخة بن إلياس بن مضر، و قد كانوا استعدوا عليه مروان بن الحكم، و قالوا: إنما باعته عمّته لمجاعة؛ فأبى هو أن يقرّ لهم بذلك. ثم استعدوا عليه عبد الملك بن مروان أيضا؛ فأبى إلّا أنه رجل من العجم من سبي فارس، نشأ في عكل و هو صغير.
قال محمد بن إدريس: و ولد السّموءل بن عادياء يدّعونه، و السموأل من غسّان. قال محمد: و زعم أهل اليمامة و عكل و غيرهم أنّ ثلاثة نفر أتوا مروان بن الحكم و هم أبو حفصة و رجل من تميم و رجل من سليم، فباعوا أنفسهم منه في مجاعة نالتهم؛ فاستعدى أهل بيوتاتهم عليهم، فأقرّ أحدهم و هو السّلميّ أنه إنما أتى مروان فباعه نفسه و أنه من العرب؛ فدسّ إليه مروان من قتله. فلمّا رأى ذلك الآخران ثبتا على أنهما موليان لمروان. فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: زعم المدائنيّ أنه كان لأبي حفصة ابن يقال له مروان سمّاه مروان بن الحكم باسمه، و ليس بالشّاعر، و أنه كان شجاعا مجرّبا، و أمدّ به عبد الملك بن مروان الحجّاج و قال له: قد بعثنا إليك مولاي ابن أبي حفصة و هو يعدل ألف رجل. فشهد معه محاربة ابن الأشعث، فأبلى بلاء حسنا و عقرت تحته عدّة خيول، فاحتسب بها الحجّاج عليه من عطائه. فشكاه إلى عبد الملك و ذمّ الحجّاج عنده؛ فعوّضه مكان ما أغرمه الحجّاج. و كان يحيى جدّ مروان بن سليمان جوادا ممدّحا.
جرير يودع ابنه يحيى بن أبي حفصة:
أخبرنا محمد العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:
أراد جرير أن يوجّه ابنه بلال بن جرير إلى الشام في بعض أمره، فأتى يحيى بن أبي حفصة فأودعه إيّاه، ثم بلغ بلالا أنّ بعض بني أميّة يريد الخروج، فقال لأبيه: لو كلّفت هذا القرشيّ أمري! فقال له جرير:
[١] مرج راهط: في غوطة دمشق من ناحية الشرق، و فيه كانت الواقعة بين مروان بن الحكم و الضحاك بن قيس داعية ابن الزبير، فقتل مروان فيها الضحاك و خلصت له الخلافة.
[٢] من الصرير يقال: صر الرجل إذا صاح صياحا شديدا.