الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٤ - أدبه و شعره و دفاع أبي الفرج عن مذهبه في الأدب
[/ ١١- أخبار عبد اللّه بن المعتزّ]
و ممن صنع من أولاد الخلفاء فأجاد و أحسن و برع و تقدّم جميع أهل عصره فضلا و شرفا و أدبا و شعرا و ظرفا و تصرّفا في سائر الآداب أبو العبّاس عبد اللّه بن المعتزّ باللّه.
أدبه و شعره و دفاع أبي الفرج عن مذهبه في الأدب:
و أمره، مع قرب عهده بعصرنا هذا، مشهور في فضائله و آدابه شهرة تشرك في أكثر فضائله الخاصّ و العامّ.
و شعره و إن كان فيه رقّة الملوكيّة و غزل الظّرفاء و هلهلة المحدثين، فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلوب المجيدين و لا تقصر عن مدى السابقين، و أشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبّه فيها بفحول الجاهليّة. فليس يمكن واصفا لصبوح، في مجلس شكل ظريف، بين ندامى و قيان، و على ميادين من النّور و البنفسج و النّرجس و منضود من أمثال ذلك، إلى غير ما ذكرته من جنس المجالس و فاخر الفرش و مختار الآلات، و رقّة الخدم، أن يعدل بذلك عما يشبهه من الكلام السّبط [١] الرقيق الذي يفهمه كلّ من حضر، إلى جعد الكلام و وحشيّه، و إلى وصف البيد و المهامة و الظّبي و الظّليم [٢] و الناقة و الجمل و الديار و القفار و المنازل الخالية المهجورة؛ و لا إذا عدل عن ذلك و أحسن قيل له مسيء، و لا أن يغمط حقّه كلّه إذا أحسن الكثير و توسّط في البعض و قصّر في اليسير، و ينسب إلى التقصير في الجميع، لنشر المقابح و طيّ المحاسن. فلو شاء أن يفعل هذا كلّ أحد بمن تقدّم لوجد مساغا. و لو أنّ قائلا أراد الطعن على صدور الشعراء، لقد رأى أن يطعن على الأعشى-/ و هو أحد من يقدّمه الأوائل على سائر الشعراء- بقوله: «فأصاب حبّة قلبه و طحالها [٣]».
و بقوله:
/
و يأمر لليحموم [٤] كلّ عشيّة
بقتّ و تعليق فقد كاد يسنق
[١] السبط: السهل المرسل. و الجعد: المعقد.
[٢] الظليم: ذكر النعام.
[٣] العيب في هذا ورود كلمة الطحال فيه و هي مما يأباها الذوق. و قد ورد كلام فيه في هذا الجزء (ص ٨١- ٨٢) فراجعه.
[٤] كذا في «لسان العرب» و كتاب «نسب الخيل» لابن الكلبي و كتاب «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة. و اليحموم: اسم فرسه. و القت:
حب بري. و التعليق: ما تعلفه الدابة من شعير و نحوه. و يسنق: يأكل حتى يصيبه كالبشم. و قد ورد هذا البيت في ب، س هكذا:
و قد كان يأمر همو كل ليلة
بقت و تعليق فقد كاد يسبق
و في الأصول المخطوطة:
و قد كان يأمر همو في كل ليلة
يقت و تعليق فقد كاد يسبق
و هما تحريف و عيب هذا البيت أنه مدح به ملك الحيرة و هو لا يمدح به رجل من خساس الجنود؛ لأنه ليس من أحد له فرس إلا و هو يعلفه قتا و يقضمه شعيرا. و هذا مديح كالهجاء. و قال أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة: «و لست أرى هذا عيبا؛ لأن الملوك تعد فرسا على أقرب الأبواب من مجالسها بسرجه و لجامه خوفا من عدوّ يفجؤها أو أمر ينزل أو حاجة تعرض لقلب الملك فيريد البدار، فلا يحتاج إلى أن يتلوّم على إسراج فرسه و إلجامه. و إذا كان واقفا غدى و عشى. فوضع الأعشى هذا المعنى و دل به على ملكه و على حزمه». (راجع كتاب «الشعر و الشعراء» صفحة ١٤١- ١٤٢ طبع أوربا).