الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٢ - خرج مع جماعة إلى الشام فقطع عليهم الأعراب الطريق ففر أصحابه و ثبت هو و قال شعرا
فأعجبني الذي قد قال جدّا
و قلت بلى إذا رضي الحبيب
فقال هو الشفاء فلا تقصّر
فقلت أجل و لكن لا يجيب
ألا هل مسعد يبكي لشجوي
فإنّي هائم فرد غريب
فقال: أحسنت و حياتي! يا غلام اسقني قدحا؛ فجاءه بقدح فشرب و سقيت الجماعة مثله. و خرجت إليه فضل الشاعرة بأبيات أمرتها قبيحة أن تقولها عنها. فقرأها فإذا هي:
/
أكتمنّ الذي في القلب من حرق
حتى أموت و لم يعلم به الناس
و لا يقال شكا من كان يعشقه
إنّ الشّكاة لمن تهوى هي الياس
و لا أبوح بشيء كنت أكتمه
عند الجلوس إذا ما دارت الكاس
فقال المتوكّل: أحسنت يا فضل. و أمر لها ولي بعشرين ألف درهم، و دخل إلى قبيحة فترضّاها.
خرج مع جماعة إلى الشام فقطع عليهم الأعراب الطريق ففرّ أصحابه و ثبت هو و قال شعرا:
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد قال:
خرج عليّ بن الجهم إلى الشام في قافلة، فخرجت عليهم الأعراب في خساف [١] فهرب من كان في القافلة من المقاتلة، و ثبت عليّ بن الجهم فقاتلهم قتالا شديدا، و ثاب الناس إليه فدفعهم و لم يحظوا بشيء. فقال في ذلك:
/
صبرت و مثلي صبره ليس ينكر
و ليس على ترك التّقحّم يعذر
غريزة حرّ لا اختلاق تكلّف
إذا خام [٢] في يوم الوغى المتصبّر
و لمّا رأيت الموت تهفو بنوده
و بانت علامات له ليس تنكر
و أقبلت الأعراب من كلّ جانب
و ثار عجاج أسود اللّون أكدر
بكلّ مشيح [٣] مستميت مشمّر
يجول به طرف [٤] أقبّ مشمّر
بأرض خساف حين لم يك دافع
و لا مانع إلّا الصّفيح [٥] المذكّر
فقلّل في عينيّ عظم جموعهم
عزيمة قلب فيه ما جلّ يصغر
بمعترك فيه المنايا جواسر
و نار الوغى بالمشرفيّة تسعر
فما صنت وجهي عن ظبات سيوفهم
و لا انحزت عنهم و القنا تتكسّر
و لم أك في حرّ الكريهة محجما
إذا لم يكن في الحرب للورد مصدر
[١] في الأصول «حساف» بالحاء المهملة و هو تصحيف. و خساف: برية بين بالس و حلب. ( «معجم البلدان» لياقوت).
[٢] خام: نكص و جبن.
[٣] المشيح: المجد.
[٤] الطرف: الكريم من الخيل. و الأقب: الدقيق الخصر الضامر البطن.
[٥] الصفيح هنا: السيف العريض.