معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٤٣ - الاختزال
أربعة: اختراع و استحقاق و شركة و سرقة. فالاختراع هو الغاية في الاستحسان، و الاستحقاق تال له، و الشركة منها ما يساوي الآخر فيه الأول فهذا لا عيب فيه، و منها ما ينحط فيه الآخر عن الأول فهذا معيب، و السرقة كلها معيبة و إن كان بعضها أشدّ قبحا من بعض» [١].
و قال ابن قيّم الجوزية: «الاختراع هو أن يذكر المؤلف معنى لم يسبق اليه، و اشتقاقه من التليين و التسهيل، يقال: نبت خرع إذا كان لينا فكأن المتكلم سهل طريقه حتى أخرجه من العدم الى الوجود. و منه في القرآن كثير، من ذلك قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ [٢]. و لم يسمع بمثل هذا التمثيل البديع لأحد قبل نزول القرآن و لو سمع لكان القرآن سابقا و لا يكون مثله و لا قريبا منه و كذلك جميع أمثال القرآن ليس لها أمثال ..
و مثال ذلك من السنة النبوية قوله- صلّى اللّه عليه و سلّم-: «حمي الوطيس» فانّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و سلّم- أول من تكلم بهذا حين قدّم المسلمون خالد بن الوليد في غزوة مؤتة حين حمل خالد في العدو، و الوطيس هو التنور، فعبّر بشدة حميه و وقوده عن شدة الحرب و اتقادها و اتقاد نارها حين حمل خالد ابن الوليد رضي اللّه عنه. و من ذلك قوله- صلّى اللّه عليه و سلّم-: «أما بعد» [٣].
و قد تكلم البلاغيون على هذا الفن في باب «سلامة الاختراع» و لم ينفرد بمثل هذا البحث غير ابن قيم الجوزية كما تشير الى ذلك المصادر المعروفة.
الاختزال:
الاختزال: الاقتطاع، يقال: اختزله عن القوم مثل اختزعه، و اختزل فلان المال: اذا اقتطعه، و الاختزال:
الحذف استعمله سيبويه كثيرا و قال ابن سيده: «لا أعلم ذلك عن غيره»، و انخزل في كلامه: انقطع [٤].
و الاختزال من أنواع الحذف، و قد قسّم بعضهم هذا الاسلوب، عدة أقسام، و الاختزال أحد تلك الأقسام، و هو ما ليس اقتطاعا أي حذف بعض حروف الكلمة، أو اكتفاء أي حذف أحد الشيئين المتلازمين، أو احتباكا أي الحذف من الأول ما اثبت نظيره في الثاني، و من الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
و الاختزال أقسام، لأن المحذوف اما كلمة: اسم، أو فعل، أو حرف، أو أكثر [٥].
و من حذف الاسم، حذف المضاف، و هو كثير جدا في القرآن الكريم و منه الْحَجُّ أَشْهُرٌ [٦] أي:
حج أشهر، و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [٧] أي: نكاح امهاتكم.
و حذف المضاف اليه مثل قوله تعالى: رَبِّ اغْفِرْ لِي [٨]، أي: يا ربي. و حذف المبتدأ كقوله: وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ [٩] أي: هي نار، و قوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ [١٠] أي: فعمله لنفسه، و قوله:
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [١١]، أي: هم، و قوله: أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها [١٢] أي: دائم. و حذف الموصوف كقوله تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ [١٣] أي:
حور قاصرات.
[١] منهاج البلغاء ص ١٩٦.
[٢] الحج ٧٣.
[٣] الفوائد ص ١٥٦.
[٤] اللسان (خزل).
[٥] معترك ج ١ ص ٣٢٣، الاتقان ج ٢ ص ٦٢.
[٦] البقرة ١٩٧.
[٧] النساء ٢٣.
[٨] الاعراف ١٥١.
[٩] القارعة ٩- ١٠.
[١٠] الجاثية ١٥.
[١١] البقرة ١٨.
[١٢] الرعد ٣٥.
[١٣] الصافات ٤٨.