معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٣٧ - الاحتجاج النظري
و الدليل، و أحج خصمي أي أغلبه بالحجة [١].
و الاحتجاج النظري لون من ألوان الكلام، و سماه بهذا الاسم جماعة منهم أبو حيان الاندلسي و ابن قيّم الجوزية و ابن النقيب [٢]، و سماه الزركشي «إلجام الخصم بالحجة» [٣]، و لكن البلاغيين يسمونه «المذهب الكلامي».
و حقيقة هذا النوع احتجاج المتكلم على خصمه بحجة تقطع عناده و توجب له الاعتراف بما ادعاه المتكلم و ابطال ما أورده الخصم. و سمي المذهب الكلامي لأنّه «يسلك فيه مذهب أهل الكلام في استدلالهم على إبطال حجج خصومهم. و المراد بأهل الكلام علماء أصول الدين» [٤].
و المذهب الكلامي هو الفن الخامس من بديع ابن المعتز، قال: «و هو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي، و هذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا، و هو ينسب الى التكلف، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا» [٥] و لم يحدد هذا الفن، و لعله يريد به اصطناع أساليب الفلاسفة و المتكلمين في الجدل و الاستدلال، و لذلك نفاه عن القرآن الكريم.
و لم نعثر في كتب الجاحظ المعروفة على هذا المصطلح، و لكنه يسخر أحيانا من الذين يتكلفون أداء الكلام تشبها بالمتكلمين [٦].
و المذهب الكلامي عند المتأخرين هو ايراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، و ذلك أن يكون بعد تسليم المقدمات مقدمة مستلزمة للمطلوب، و هذا ما نجده في كتاب اللّه و كلام العرب الذي استشهد به البلاغيون. و قد ذكره العسكري و أشار الى أن ابن المعتز نسبه الى التكلف [٧]، و تحدث في أول كتاب الصناعتين عن وضوح الدلالة و قرع الحجة و هو مما يدخل في هذا الباب. قال: «و من وضوح الدلالة و قرع الحجة قول اللّه سبحانه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [٨]. فهذه دلالة واضحة على أنّ اللّه تعالى قادر على إعادة الخلق مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها؛ لأنّ الاعادة ليست بأصعب في العقول من الابتداء، ثم قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [٩]، فزادها شرحا و قوة؛ لأنّ من يخرج النار من أجزاء الماء و هما ضدان ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه. ثم قال تعالى: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [١٠] فقوّاها أيضا و زاد في شرحها و بلغ بها غاية الايضاح و التوكيد لأنّ إعادة الخلق ليست بأصعب في العقول من خلق السماوات و الأرض ابتداء» [١١]. و هذا هو المذهب الكلامي عند المتأخرين، أما ما ذكره في فصل المذهب الكلامي فهو متابعة لابن المعتز في معنى هذا الفن و أمثلته [١٢].
و تحدث عنه ابن رشيق في باب التكرار و نقل كلام ابن المعتز و امثلته، و أقرّ بذلك النقل فقال: «و قد نقلت هذا الباب نقلا من كتاب عبد اللّه بن المعتز إلّا ما لاخفاء به عن أحد من أهل التمييز، و اضطرني الى ذلك قلة الشواهد فيه إلا ما ناسب قول أبي نواس:
سخنت من شدة البرودة حتى
صرت عندي كأنك النار