نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٥٥ - ١٩ الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
قال: ثم حملت إلى دار البلاط، فرأيت الأسارى، و كأنّ وجوههم قد أخرجت من القبور، تشهد بالضرّ[الشديد و الجهد الجهيد] [١] و ما كانوا فيه من العذاب[إلى حين قدومنا] [٢] إلاّ أنّهم مرفّهون في ذلك الوقت، و تأمّلت ثيابهم، فإذا جميعها[٢٠ ب]جدد، فعلمت أنّي منعت من الوصول تلك الأيّام حتى غيّر زيّ الأسارى[و أصلح أمرهم] [٣] .
و قال لي الأسرى: نحن للملكين شاكرون، فعل اللّه بهما و صنع، و أومئوا إليّ: إنّ الأمر كان كما بلغكم، و لكنّه خفّف عنّا، و أحسن إلينا، بعد حصولك هاهنا.
و قالوا لي كيف عرفت حالنا؟و من تنبّه علينا، و أنفذك بسببنا؟ فقلت لهم: ولي الوزارة عليّ بن عيسى فبلغه ذلك، فأنفذ من بغداد، و فعل كذا و كذا.
قال: فضجّوا بالدعاء إلى اللّه تعالى للوزير، و سمعت امرأة منهم تقول: مرّ يا عليّ بن عيسى لا نسي اللّه لك هذا الفعل [٤] .
قال: فلما سمع ذلك عليّ بن عيسى أجهش بالبكاء، و سجد حمدا للّه سبحانه و تعالى، و برّ الرسول، و صرفه.
فقلت له: أيّها الوزير، أسمعك دائما تتبرّم بالوزارة، و تتمنى الانصراف عنها في خلواتك خوفا من[١٨ ط]آثامها، فلو كنت في بيتك، هل كنت تقدر أن تحصّل هذا الثواب و لو أنفقت فيه أكثر مالك؟فلا تفعل، و لا تتبرّم بهذا الأمر فلعلّ اللّه يمكّنك و يجري على يديك أمثال هذا الفعل، فتفوز بثوابه في الآخرة، كما تفرّدت بشرف الوزارة في الدنيا.
[١] الزيادة من ط.
[٢] الزيادة من ط.
[٣] الزيادة من ط.
[٤] في ط: الفضل.