نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٥٤ - ١٩ الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
فرانق [١] من جهته يطلبني، فركبت و أنا مشغول القلب بمعرفة السبب في ذلك، حتى وصلت إليه، فوجدته مسرورا، فحين رآني قال: يا هذا، أحسن اللّه جزاءك عن نفسك و دينك و عنّي.
فقلت: ما الخبر؟ قال: كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي و أصحّه، و هذا رسول العامل قد ورد بالخبر، و أومأ إلى رجل كان بحضرته، و قال له: خبّرنا بما جرى.
فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك و القاثليق، برسالتهما إلى قسطنطينية [٢] و كتبا إلى ملكيها: إنّكما قد خرجتما عن ملّة المسيح بما فعلتماه بالأسارى و ليس لكما ذلك، فإنّه حرام عليكما، و مخالف لما أمرنا به المسيح من كذا و كذا، و عدّدا أشياء في دينهما، فإمّا زلتما عن هذا، و استأنفتما الإحسان إلى الأسارى، و تركتما مطالبتهم بالتنصّر، و إلاّ لعنّا كما على هذين الكرسيّين و حرمنا كما.
قال: فمضيت مع الرسول، فلما صرنا بقسطنطينية، حجبت عن الملكين أيّاما، و خليا بالرسول [٣] ، ثمّ استدعياني إليهما، فسلّمت عليهما، فقال لي ترجمانهما: يقول لك الملكان، إنّ الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى، كذب و تشنيع، و قد أذنّا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم، فترى أحوالهم بخلاف ما بلغكم، و تسمع من شكرهم لنا، ضدّ ما اتّصل بكم.
[١] الفرانق: الساعي المكلف بنقل الرسائل.
[٢] قسطنطينية: و كان اسمها بزنطية فسميت قسطنطينية باسم قسطنطين الأكبر الذي انتقل إليها و بنى سورها و هي دار ملك الروم و تسمى اصطنبول، (معجم البلدان ٤/٩٥) .
[٣] في ط: ثم جلسا لي و للرسول.