نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٥٣ - ١٩ الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
فعسفا الأسارى، و أجاعاهم، و أعرياهم، و عاقباهم، و طالباهم بالتنصّر، و أنّهم في جهد جهيد، و بلاء شديد، و ليس هذا ممّا لي فيه حيلة، لأنّه أمر لا يبلغه سلطاننا، و الخليفة لا يطاوعني، فكنت أنفق الأموال، و أجتهد، و أجهّز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية.
فقلت[١٩ ب]أيّها الوزير، هاهنا رأي أسهل ممّا وقع لك، يزول به هذا.
فقال: قل يا مبارك.
فقلت: إنّ بانطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك [١] ، و ببيت المقدس آخر يقال له القاثليق [٢] ، و أمرهما ينفذ على ملك الروم، [حتى انّهما ربّما حرما الملك فيحرم عندهم، و يحلاّنه فيحلّ] [٣] . و عند الروم انّه من خالف منهم هذين فقد كفر، و انّه لا يتمّ جلوس الملك ببلد الروم إلاّ برأي هذين، و ان يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما، و تقرّب بهما، و البلدان في سلطاننا[١٧ ط]، و الرجلان في ذمّتنا، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما، و تعريفهما ما يجري على الأسارى، و انّ هذا خارج عن الملك، و انّهما إن لم يزيلا هذا، لم يطالب بجريرته غيرهما، و ينظر ما يكون من الجواب.
قال: فاستدعى كاتبا، و أملى عليه كتابين في ذلك [٤] ، و أنفذهما في الحال، و قال: سرّيت عنّي قليلا، و افترقنا.
فلما كان بعد شهرين و أيّام، و قد أنسيت الحديث، جاءني
[١] البطرك و البطريك و البطريرك جمعها بطاركة و بطاريك: رئيس الأساقفة.
[٢] الجاثليق و الجثليق جمعها جثالقة، متقدم الأساقفة، يونانية.
[٣] انفردت ب بهذه الجملة.
[٤] في ط: كتبا في هذا المعنى.