نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٤٥ - ١٤ الوزير علي بن عيسى و صاحب ديوان السواد
من الفقر، و إنّما أريد الزيادة في الجاه، و اتّصال نفوذ الأمر و النهي، و قد عشت طول هذه السنين، آمرا، ناهيا، مستورا في صناعتي، ما تعرّض لي أحد من الوزراء، و لا تعرّضت لهم، و سلمت عليهم، و سلموا عليّ، و مهما عمله الوزير فيّ من الغضّ فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصّة و العامّة، أنّي خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، و تقلّدت كذا و كذا، و أخذ يعدّد كبار الأعمال التي وليها، و أنّ مثل هذا لا يناط بعاجز، و لا أن يستخرج من النفوس عظم محلّي فيها، مع سعة الحال، و كثرة الضياع و المال، و لا يمكنه في طمس محلّي أكثر مما قد عمله، و أنا بين أمور، إمّا توصّلت إلى إزالة ذلك عنّي بما لعلّه يثقل على الوزير، أو آثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل، و لزمت بيتي، فلم أكن فيه خاملا و لا ساقطا، ثم حصلت حيث أختار، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه، فإمّا أعفاني ممّا يستعمله معي، و ردّني إلى العادة التي يستحقّها من نصب في مثل منصبي، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي.
فقلت له: يا أبا عيسى، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره، و لن أكون لك إلاّ على أفضل محبّتك، فبكّر إليّ ليبين لك مصداق ذلك.
فلمّا جاءني اليوم، عاملته بما رأيته.