نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٨٠ - ٩٣ من أخبار متخلفي المورثين-٢
أدخلتك، فاخرج إلى برّا [١] حتى أصعد أكلّمك من فوق.
فخرج، و جلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة [٢] في الدار إلى الشارع، و هو جالس.
فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج [٣] ، و صيّرته آية و نكالا، و ضحكت.
فبكى، و قال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا [٤] ؟أشهد اللّه، و أشهدك أنّي تائب.
قال: فأخذت أطنز به [٥] ، و قلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟ قال: و رددته إلى بيته، و نزعت ثيابي عنه، و تركته بين القطن، كما كان أوّلا، و حملت ثيابي، فغسلتها، و أيست منه، فما عرفت له خبرا، نحو ثلاث سنين.
فأنا ذات يوم، في باب الطاق [٦] فإذا بغلام يطرّق [٧] لرجل راكب، فرفعت رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضّة،
[١] برّا: يعني خارج الدار، لم تزل مستعملة ببغداد.
[٢] الروزنة، فارسية: الكوة، و تعرف في بغداد اليوم باسم (رازونة) .
[٣] السكباج، فارسية: مرق يصنع من اللحم و الخل و مواد أخرى، راجع كتاب الطبيخ للبغدادي ص ١٣. أقول: و هو شديد الحموضة، و العامة في بغداد إذا شكوا من حموضة طعام قالوا: حامض كأنه سكباج.
[٤] في ب: بلغ أمري إلى هاهنا؟
[٥] الطنز: السخرية.
[٦] باب الطاق: بالجانب الشرقي من بغداد، بين الرصافة و نهر المعلى، منسوب إلى أسماء بنت المنصور، و كان طاقا عظيما، و عند هذا الطاق كان مجلس الشعراء أيام الرشيد. (معجم البلدان ١/٤٤٥) أقول هذا الوصف ينطبق على محلة الصرّافية التي يصلها جسر السكة الحديد بجانب الكرخ.
[٧] يطرّق: يعني يركض أمام الدابة و يصيح: الطريق.