الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ١٤١
يزوجك. فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته، فأعطيت أبرهة سوارين من فضة، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب فحمد اللَّه و أثنى عليه و تشهد، ثم قال: أما بعد فإن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة فأجبت، و قد أصدقتها عنه أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير، فخطب خالد، فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و زوجته أم حبيبة، و قبض الدنانير، و عمل لهم النجاشي طعاما، فأكلوا.
قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا، قالت: فردّتها علي، و قالت: إن الملك عزم علي بذلك، و ردّت على ما كنت أعطيتها أولا، ثم جاءتني من الغد بعود و ورس و عنبر و زباد [١] كثير، فقدمت به معي على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم).
و روى ابن سعد أن ذلك كان سنة سبع، و قيل كان سنة ست، و الأول أشهر.
و من طريق الزهري أنّ الرسول إلى النجاشي بعث بها مع شرحبيل بن حسنة. و من طريق أخرى أن الرسول إلى النجاشي بذلك كان عمرو بن أمية الضمريّ.
و حكى ابن عبد البرّ أن الّذي عقد لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) عليها عثمان بن عفان. و من طريق عبد الواحد بن أبي عون، قال: لما بلغ أبا سفيان أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) نكح ابنته قال: هو الفحل لا يقدع أنفه [٢].
و ذكر الزّبير بن بكّار بسند له عن إسماعيل بن عمرو بن أمية، عن أم حبيبة نحو ما تقدم، و قيل نزلت في ذلك: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: ٧]، و هذا بعيد، فإن ثبت فيكون العقد عليها كان قبل الهجرة إلى المدينة، أو يكون عثمان جدده بعد أن قدمت المدينة، و على ذلك يحمل قول من قال: إن النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) إنما تزوجها بعد أن قدمت المدينة، روى ذلك عن قتادة، قال: و عمل لهم عثمان وليمة لحم، و كذا حكى عن عقيل، عن الزهري، و فيما ذكر عن قتادة ردّ على دعوى ابن حزم الإجماع على أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) إنما تزوّج أم حبيبة و هي بالحبشة، و قد تبعه على ذلك جماعة آخرهم أبو الحسن بن الأثير في أسد الغابة، فقال: لا اختلاف بين أهل السير في ذلك، إلا ما وقع عند مسلم أن أبا سفيان لما أسلم طلب منه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) أن يزوّجه إياها، فأجابه إلى ذلك.
و هو و هم من بعض الرواة، و في جزمه بكونه و هما نظر، فقد أجاب بعض الأئمة باحتمال أن
[١] الزّباد: بنت معروف، قال ابن سيده: و الزبّاد و الزّبدى و الزّباد كله نبات سهلي له ورق عراض و قد ينبت في الجلد، يأكله الناس، و هو طيّب. اللسان ٣/ ١٨٠٣.
[٢] أصل القدع: الكف و المنع يقال: قدعت الفحل و هو أن يكون غير كريم، فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرتدع و ينكف، و يروى بالراء. النهاية ٤/ ٢٤.