نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧ - كيف يكون المذنبون دعاةً للتقوى؟
تدلّ على أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطأ في الفتاوى والأحكام، لأنّه تعالى أوجب الإنقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الوجوب، وبيّن أنّه لابدّ من حصول ذلك الإنقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم [١].
صحيح أنّ الآية قد نزلت في تحكيم نبي الإسلام صلى الله عليه و آله، لكنّها توجب إطاعته في كلّ شيء طبقاً للقرائن التي تحفّ بها، ولذا نقرأ في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:
«لو أنّ قوماً عبدوا اللَّه، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصاموا شهر رمضان، وحجّوا البيت، ثمّ قالوا لشيء صنعه رسول اللَّه ألا صنع خلاف ما صنع أو وجدوا من ذلك حرجاً في أنفسهم لكانوا مشركين! ثمّ تلا هذه الآية ...» [٢].
واضح أنّ هذه الآية لا تختصّ بزمن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقط، بل هي قائمة إلى يوم القيامة، وقد أشار البعض من المفسّرين إلى ذلك أيضاً [٣].
وبناءً على هذا فكلّ من خالف سنّة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله القطعيّة وأحكامه، أو وجد من ذلك حرجاً في نفسه أصبح مصداقاً لهذه الآية.
وبالجملة فالآيات الثلاث السابقة هي بصدد بيان حقيقة واحدة بعبارات شتّى، ألا وهي ضرورة التسليم المطلق أمام أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأحكامه، ولا يتمّ هذا إلّابالقول بضرورة عصمته.
والغريب هو أنّ بعضاً من مفسّري أهل السنّة قد استدلّ بما جاء في صحيح مسلم أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مرّ بقوم يلقّحون (النخل) فقال: «لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصاً (لم يثمر)، فمرّ بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» [٤].
ومن هنا فقد قسّم البعض منهم أحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى قسمين: ما يقوله عن اللَّه
[١] تفسير الكبير، ج ١٠، ص ١٦٥.
[٢] تفسير مجمع البيان، ج ٣، ص ٦٩.
[٣] تفسير روح المعاني، ج ٥، ص ٦٥.
[٤] جاء في صحيح مسلم في هذا الموضوع ثلاثة أحاديث متّفقة مضموناً وبعبارات شتّى، (صحيح مسلم، ج ٤، الباب ٣٨ ص ١٨٣٥، ح ١٣٩ و ١٤١ باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره صلى الله عليه و آله من معايش الدنيا على سبيل الرأي).