نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - كيف يكون المذنبون دعاةً للتقوى؟
فإنّها تدلّ على أنّ الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلًا للذنب والمعصية أولى.
الثاني: إنّ التعبير ب «عهدي» لو كان يشير إلى النبوّة فالقصد منه أن أحداً من الظلمة لا ينال مقام النبوّة، وأنّ النبي يجب أن يكون معصوماً، ولو كان يشير إلى الإمامة فدلالة الآية تامّة أيضاً، لأنّ كلّ نبي إمام نظراً لاقتداء الناس به (في كلّ الامور بلا قيد أو شرط)» [١].
مع أنّ كلام الرازي في تفسير الإمامة لم يف بالمطلوب (كما تقدّم)، لكن اعترافه الصريح فيما يتعلّق بالدلالة على لزوم عصمة الأنبياء (والأئمّة) ملفت للنظر، والإشكال الوحيد الذي يمكن إيراده على هذا الاستدلال، هو أنّ عصمة الأئمّة هي المستوحاة من الآية المذكورة لا الأنبياء (الأئمّة بالمعنى المتقدّم).
لكن هذا الإشكال يمكن ردّه بالقول: إنّ طلب إبراهيم عليه السلام مع أنّه يدور حول مقام الإمامة، فلفظ «العهد» الوارد في جواب الباري جلّت قدرته: «لَايَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» تشمل كلًا من «الإمامة» و «النبوّة» معاً، لكون كلّ منهما عهداً إلهيّاً لبداهة شموله لهما كيفما فسّرناه، وموهبة كهذه لا تكون من نصيب الظالمين كما جاء في روح البيان أيضاً: «وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها» [٢].
في الآية الثانية يأمر اللَّه تعالى المؤمنين كافّة بالامتثال لأوامر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله واجتناب ما ينهى عنه، ويحثهم على التقوى لأنّه تعالى شديد العقاب.
«وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».
التأمّل في الآية يكشف عن أنّ المراد من: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ»، هو كلّ أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، باعتبار أنّ نواهيه هي الطرف المقابل: «وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»، ومن هنا فقد صرّح الكثير من المفسّرين بعمومية مفاد الآية (كالطبرسي في مجمع البيان، أبي الفتوح
[١] تفسير الكبير، ج ٤، ص ٤٨.
[٢] تفسير روح البيان، ج ١، ص ٣٣٨.