الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٩
٢١٢.الكافي عن مَسعَدَةَ بنِ صَدَقة : وأمّا أبو ذَرٍّ فَكانَت لَهُ نُوَيقاتٌ وشُوَيهاتٌ يَحلُبُها ويَذبَحُ مِنها إذَا اشتَهى أهلُهُ اللَّحمَ ، أو نَزَلَ بِهِ ضَيفٌ ، أو رَأى بِأَهلِ الماءِ الَّذينَ هُم مَعَهُ خَصاصَةً [١] نَحَرَ لَهُمُ الجَزورَ أو مِنَ الشِّياهِ عَلى قَدرِ ما يَذهَبُ عَنهُم بِقَرَمِ اللَّحمِ [٢] ؛ فَيَقسِمُهُ بَينَهُم ويَأخُذُ هُوَ كَنَصيبِ واحِدٍ مِنهُم لا يَتَفَضَّلُ عَلَيهِم . ومَن أزهَدُ مِن هؤُلاءِ ، وقَد قالَ فيهِم رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ما قالَ ، ولَم يَبلُغ مِن أمرِهِما أن صارا لا يَملِكانِ شَيئا البَتَّةَ ، كَما تَأمُرونَ النّاسَ بِإِلقاءِ أمتِعَتِهِم وشَيئِهِم ويُؤثِرونَ بِهِ عَلى أنفُسِهِم وعِيالاتِهِم! وَاعلَموا أيُّهَا النَّفَرُ أنّي سَمِعتُ أبي يَروي عَن آبائِهِ عليهم السلام : أنَّ رَسولَ اللّه ِ صلى الله عليه و آله قالَ يَوما : «ما عَجِبتُ مِن شَيءٍ كَعَجَبي مِنَ المُؤمِنِ ، إنَّهُ إن قُرِّضَ جَسَدُهُ في دارِ الدُّنيا بِالمَقاريضِ كانَ خَيرا لَهُ ، وإن مَلَكَ ما بَينَ مَشارِقِ الأَرضِ ومَغارِبِها كانَ خَيرا لَهُ ، وكُلُّ ما يَصنَعُ اللّه ُ بِهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ» ، فَلَيتَ شِعري هَل يَحيقُ [٣] فيكُم ما قَد شَرَحتُ لَكُم مُنذُ اليَومِ أم أزيدُكُم ؟ أ ما عَلِمتُم أنَّ اللّه َ قَد فَرَضَ عَلَى المُؤمِنينَ في أوَّلِ الأَمرِ أن يُقاتِلَ الرَّجُلُ مِنهُم عَشَرَةً مِنَ المُشرِكينَ لَيسَ لَهُ أن يُوَلِّيَ وَجهَهُ عَنهُم ، ومَن وَلاّهُم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَد تَبَوَّأَ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ؟ ثُمَّ حَوَّلَهُم عَن حالِهِم رَحمَةً مِنهُ لَهُم ؛ فَصارَ الرَّجُلُ مِنهُم عَلَيهِ أن يُقاتِلَ رَجُلَينِ مِنَ المُشرِكينَ تَخفيفا مِنَ اللّه ِ لِلمُؤمِنينَ ، فَنَسَخَ الرَّجُلانِ العَشَرَةَ .
[١] الخَصَاصَةُ : الجُوع والضَّعف ، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء (النهاية : ج ٢ ص ٣٧ «خصص») .[٢] القَرَمُ : شِدّة شهوة اللحم حتّى لا يصبر عنه (النهاية : ج ٤ ص ٤٩ «قرم») .[٣] في نسخة العلاّمة المجلسي قدس سره «يحقّ» بدل «يحيق» ، حيث قال في مرآة العقول : قوله عليه السلام : «هل يحقّ فيكم» أي يثبت ويستقرّ فيكم ، ويعتقدونه حقّا . قال الفيروزآبادي : حقَّ الأمر : وجب ووقع بلا شكّ ، لازم ومتعدٍّ ، انتهى . وفي بعض النسخ : «يحيق» أي يحيط بكم ويلزمكم ؛ من قوله : «حاق به» أي أحاط به ، و«حاق بهم الأمر» لزمهم ووجب عليهم . . . وهو تصحيف كما لا يخفى (مرآة العقول : ج ١٩ ص ١٠) .