الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٨
اللغويّ للزهد أنّه يتضمّن معنى القلّة ، وبناءً على هذا فإنّ حقيقة الزهد وإن كانت عدم الرغبة النفسيّة ، لكنّها يجب أن تتجلّى في بساطة العيش ، والحياة الزاهدة ، وعدم الإسراف ، واجتناب مظاهر الترف ، ولا أقلّ من اجتناب المحرّمات . وعلى هذا الأساس فإنّ الزهد لا يقتصر على الجانب الأخلاقيّ والنفسيّ فحسب ، بل يتضمّن الجانب العمليّ والسلوكيّ أيضا ، والزاهد هو الذي يُعرض عن الدنيا المذمومة نفسيّا إلى جانب إعراضه العمليّ.
ثالثا ـ مراتب الزهد
أشرنا إلى أنّ أدنى مراتب الزهد هو عدم الرغبة النفسيّة مع الاجتناب عن المحرّمات ، أمّا أعلى درجاته فهي النقطة التي تنزاح معها حجب المعرفة بشكل تامّ من أمام نظر القلب ، ويصل فيها السالك إلى مرتبة اليقين ، وبالوصول إلى هذه المرتبة ينكشف للزاهد باطن الدنيا المذمومة وحقيقة غرورها ، وعندها لا يرغب عن الدنيا وحسب ، بل ينفر منها ويبغضها ، كما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لرسول اللّه صلى الله عليه و آله : عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّه َ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ . [١] وبيّن عليه السلام نفرته من الدنيا المذمومة في كثيرٍ من أحاديثه ، منها قوله : أمَرُّ عَلى فُؤادي مِن حَنظَلَةٍ يَلوكُها ذو سُقمٍ . [٢] وقوله : أهوَنُ في عَيني مِن عُراقِ خِنزيرٍ في يَدِ مَجذومٍ . [٣]
[١] راجع : ص ٣٦٩ ح ١١٦٥ .[٢] راجع : ص١٨٩ ح٥١١ .[٣] راجع : ص١٨٩ ح٥١٠ .