الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٨
٢١٢.الكافي عن مَسعَدَةَ بنِ صَدَقة : ثُمَّ عَلَّمَ اللّه ُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله كَيفَ يُنفِقُ ، وذلِكَ أنَّهُ كانَت عِندَهُ اُوقِيَّةٌ [١] مِنَ الذَّهَبِ فَكَرِهَ أن يَبيتَ عِندَهُ فَتَصَدَّقَ بِها ، فَأَصبَحَ ولَيسَ عِندَهُ شَيءٌ ، وجاءَهُ مَن يَسأَلُهُ فَلَم يَكُن عِندَهُ ما يُعطيهِ ، فَلامَهُ السّائِلُ ، وَاغتَمَّ هُوَ حَيثُ لَم يَكُن عِندَهُ ما يُعطيهِ وكانَ رَحيما رَقيقا ، فَأَدَّبَ اللّه ُ تَعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله بِأَمرِهِ فَقالَ : «وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا» [٢] يَقولُ : إنَّ النّاسَ قَد يَسأَلونَكَ ولا يَعذِرونَكَ ؛ فَإِذا أعطَيتَ جَميعَ ما عِندَكَ مِنَ المالِ كُنتَ قَد حَسَرتَ مِنَ المالِ . فَهذِهِ أحاديثُ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله يُصَدِّقُهَا الكِتابُ ، وَالكِتابُ يُصَدِّقُهُ أهلُهُ مِنَ المُؤمِنينَ . وقالَ أبو بَكرٍ عِندَ مَوتِهِ حَيثُ قيلَ لَهُ : أوصِ ، فَقالَ : اُوصي بِالخُمُسِ ، وَالخُمُس كَثيرٌ ، فَإِنَّ اللّه َ تَعالى قَد رَضِيَ بِالخُمُسِ فَأَوصى بِالخُمُسِ ، وقَد جَعَلَ اللّه ُ لَهُ الثُّلُثَ عِندَ مَوتِهِ ولَو عَلِمَ أنَّ الثُّلُثَ خَيرٌ لَهُ أوصى بِهِ . ثُمَّ مَن قَد عَلِمتُم بَعدَهُ في فَضلِهِ وزُهدِهِ : سَلمانُ وأبو ذَرٍّ رَضِيَ اللّه ُ عَنهُما ؛ فَأَمّا سَلمانُ فَكانَ إذا أخَذَ عَطاءَهُ رَفَعَ مِنهُ قوتَهُ لِسَنَتِهِ حَتّى يَحضُرَ عَطاؤُهُ مِن قابِلٍ ، فَقيلَ لَهُ : يا أبا عَبدِ اللّه ِ ، أنتَ في زُهدِكَ تَصنَعُ هذا ، وأنتَ لا تَدري لَعَلَّكَ تَموتُ اليَومَ أو غَدا! فَكانَ جَوابُهُ أن قالَ : ما لَكُم لا تَرجونَ لِيَ البَقاءَ كَما خِفتُم عَلَيَّ الفَناءَ ؟ أ ما عَلِمتُم يا جَهَلَةُ أنَّ النَّفسَ قَد تَلتاثُ [٣] عَلى صاحِبِها إذا لَم يَكُن لَها مِنَ العَيشِ ما يَعتَمِدُ عَلَيهِ؟ فَإِذا هِيَ أحرَزَت مَعيشَتَهَا اطمَأَ نَّت .
[١] الاُوقِيّة : أربعون درهما (الصحاح : ج ٦ ص ٢٥٢٧ «وقى») .[٢] الإسراء: ٢٩ .[٣] إنّ النفس قد تلتاث : أي تضطرب ولم تنبعث مع صاحبها (مجمع البحرين : ج ٣ ص ١٦٥٥ «لوث») .