الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٤
٢١١.نهج البلاغة : مِن كَلامٍ لَهُ [ الإِمامِ عَلِيٍّ عليه السلام ] بِالبَصرَةِ ، وقَد دَخَلَ عَلَى العَلاءِ بنِ زِيادٍ الحارِثِيِّ ـ وهُوَ مِن أصحابِهِ ـ يَعودُهُ ، فَلَمّا رَأى سَعَةَ دارِهِ قالَ: ما كُنتَ تَصنَعُ بِسَعَةِ هذِهِ الدّارِ فِي الدُّنيا ، وأنتَ إلَيها فِي الآخِرَةِ كُنتَ أحوَجَ؟ وبَلى إن شِئتَ بَلَغتَ بِهَا الآخِرَةَ : تُقرِي فيهَا الضَّيفَ ، وتَصِلُ فيهَا الرَّحِمَ ، وتُطلِعُ مِنهَا الحُقوقَ مَطالِعَها ، فَإِذا أنتَ قَد بَلَغتَ بِهَا الآخِرَةَ . فَقالَ لَهُ العَلاءُ : يا أميرَ المُومِنينَ ، أشكو إلَيكَ أخي عاصِمَ بنَ زِيادٍ . قالَ : وما لَهُ؟ قالَ: لَبِسَ العَباءَةَ وتَخَلّى عَنِ الدُّنيا . قالَ : عَلَيَّ بِهِ . فَلَمّا جاءَ قالَ: يا عُدَيَّ نَفسِهِ ، لَقَدِ استَهامَ بِكَ الخَبيثُ! [١] أما رَحِمتَ أهلَكَ ووَلَدَكَ؟ أتَرَى اللّه َ أحَلَّ لَكَ الطَّيِّباتِ ، وهُوَ يَكرَهُ أن تَأخُذَها! أنتَ أهوَنُ عَلَى اللّه ِ مِن ذلِكَ! قالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، هذا أنتَ في خُشونَةِ مَلبَسِكَ وجُشوبَةِ مَأكَلِكَ! قالَ : وَيحَكَ ، إنّي لَستُ كَأَنتَ ، إنَّ اللّه َ تَعالى فَرَضَ عَلى أئِمَّةِ العَدلِ أن يُقَدِّروا أنفُسَهُم بِضَعَفَةِ النّاسِ ؛ كَيلا يَتَبَيَّغَ [٢] بِالفَقيرِ فَقرُهُ! [٣]
٢ / ٧
الاِحتِجاجُ عَلى مَن يَدعو إلى تَركِ الدُّنيا
٢١٢.الكافي عن مَسعَدَةَ بنِ صَدَقة : دَخَلَ سُفيانُ الثَّورِيُّ عَلى أبي عَبدِ اللّه ِ عليه السلام فَرَأى عَلَيهِ ثِيابَ بيضٍ كَأَنَّها غِرقِئُ [٤] البَيضِ ، فَقالَ لَهُ : إنَّ هذَا اللِّباسَ لَيسَ مِن لِباسِكَ ! فَقالَ لَهُ: اِسمَع مِنّي وعِ ما أقولُ لَكَ ، فَإِنَّهُ خَيرٌ لَكَ عاجِلاً وآجِلاً ، إن أنتَ
[١] استهام بك الخبيث : يعني الشيطان ؛ أي جعلك هائما ضالاًّ (شرح نهج البلاغة : ج ١١ ص ٣٣) .[٢] لا يتبيّغ : أي لا يتهيّج (الصحاح : ج ٤ ص ١٣١٧ «بوغ») .[٣] نهج البلاغة : الخطبة ٢٠٩ ، بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١١٨ ح ٨ وراجع ربيع الأبرار : ج ٤ ص ٣٨٠ .[٤] الغِرْقِئ ـ كزِبْرِج ـ : القشرة الملتزقة ببياض البَيض ، أو البياض الذي يؤكل (مجمع البحرين : ج ٢ ص ١٣١٦ «غرق») .