الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٣
١٨٨.تحف العقول عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ : أنبِياءِ اللّه ِ ، ومَهبِطُ وَحيِهِ ، ومُصَلّى مَلائِكَتِهِ ، ومَسكَنُ أحِبّائِهِ ، ومَتجَرُ أولِيائِهِ ؛ اكتَسَبوا فيهَا الرَّحمَةَ ، ورَبِحوا مِنهَا الجَنَّةَ ، فَمَن ذا يَذُمُّ الدُّنيا يا جابِرُ؟ وقَد آذَنَت بِبَينِها [١] ، ونادَت بِانقِطاعِها ، ونَعَت نَفسَها بِالزَّوالِ ، ومَثَّلَت بِبِلائِها البَلاءَ ، وشَوَّقَت بِسُرورِها إلَى السُّرورِ ، وراحَت [٢] بِفَجيعَةٍ ، وَابتَكَرَت [٣] بِنِعمَةٍ وعافِيَةٍ ؛ تَرهيبا وتَرغيبا ، يَذُمُّها قَومٌ عِندَ النَّدامَةِ ، خَدَمَتهُم جَميعا فَصَدَّقَتهُم ، وذَكَّرَتهُم فَذَكَروا ، ووَعَظَتهُم فَاتَّعَظوا ، وخَوَّفَتهُم فَخافوا ، وشَوَّقَتهُم فَاشتاقوا . فَأَيُّهَا الذّامُّ لِلدُّنيَا المُغتَرُّ بِغُرورِها ، مَتَى استَذَمَّت إلَيكَ ؟ بَل مَتى غَرَّتكَ بِنَفسِها؟ بِمَصارِعِ آبائِكَ مِنَ البِلى؟ أم بِمَضاجِعِ اُمَّهاتِكِ مِنَ الثَّرى؟ كَم مَرَّضتَ [٤] بِيَدَيكَ ، وعَلَّلتَ [٥] بِكَفَّيكَ؟ تَستَوصِفُ لَهُمُ الدَّواءَ ، وتَطلُبُ لَهُمُ الأَطِبّاءَ ، لَم تُدرِك فيهِ طَلِبَتَكَ ، ولَم تُسعَف [٦] فيهِ بِحاجَتِكَ ، بَل مَثَّلَتِ الدُّنيا بِهِ نَفسَكَ ، وبِحالِهِ حالَكَ ، غَداةَ لا يَنفَعُكَ أحِبّاوُكَ ، ولايُغني عَنكَ نِداؤُكَ ، حينَ يَشتَدُّ مِنَ المَوتِ أعالينُ المَرَضِ ، وأليمُ لَوعاتِ المَضَضِ ، حينَ لايَنفَعُ الأَليلُ [٧] ، ولا يَدفَعُ العَويلُ ، يَحفَزُ [٨] بِهَا الحَيزومُ [٩] ، ويَغُصُّ بِهَا الحُلقومُ ، لايُسمِعُهُ النِّداءُ ، ولا يَروعُهُ
[١] البَيْن : البعد والفراق (النهاية : ج ١ ص ١٧٥ «بين») .[٢] الرَّواح : نقيض الصباح ، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل (الصحاح : ج ١ ص ٣٦٨ «روح») .[٣] البُكرَة : الغُدوة [أي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس] . وبَكَر عليه وإليه وفيه وابتكَر : أتاه بُكرَةً (القاموس المحيط : ج ١ ص ٣٧٦ «بكر») .[٤] مرّضْتَهُ : تكفّلتَ بمداواته (المصباح المنير : ص ٥٦٩ «مرض») .[٥] عَلَّلَه بالشيء : أي لَهّاه به ؛ كما يُعلَّل الصبيّ بشيء من الطعام يتجزّأ به عن اللبن (الصحاح : ج ٥ ص ١٧٧٤ «علل») . والمعنى : خدمتَه في علّته .[٦] أسعَفتُه بحاجته إسعافا : قضيتُها له (المصباح المنير : ص ٢٧٧ «سعف») .[٧] الألِيْل : الأنين (الصحاح : ج ٤ ص ١٦٢٦ «ألل») .[٨] الحَفْز : الحثّ والإعجال (النهاية : ج ١ ص ٤٠٧ «حفز») .[٩] الحَيزُوم : وسط الصدر وما يُشدّ عليه الحزام (الصحاح : ج ٥ ص ١٨٩٩ «حزم») .