الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧١
وعلى هذا الأساس ، ففي الإسلام الواقعي ـ على خلاف المسيحيّة المحرّفة ـ ليس ثمّة تضادّ بين الدنيا والآخرة ، بل إنّ التأمّل في تعاليم الإسلام يقود إلى حقيقة جليّة وهي أنّ من خصائص هذه الشريعة أنّ المادية تنبع من باطن المعنويّة ، والمعنويّة من باطن المادية ، والزهد الإسلاميّ يتجسّد مفهومه حيثما تكون اللذائذ المادية ضارّة للفرد أو للمجتمع أو لكليهما.
خامسا ـ فلسفة الزهد
إنّ للزهد الإسلاميّ في جميع مجالات الحياة الفرديّة والاجتماعيّة دورا إيجابيّا بنّاءً ، لذا جاء المزيد من التأكيد في الأحاديث الإسلاميّة للتحلّي به إلى الحدّ الذي اعتبرت هذه الخصلة أجمل زينة للإنسان عند اللّه سبحانه. [١] فالزهد في مجال المعرفة يُبعد آفات المعرفة عن الإنسان ، ويريه مفاسد الدنيا المذمومة وقبائحها ، عن طريق رفع الحجب عن نظر القلب والعقل ، كما يوفّر الأرضيّة اللازمة للوصول إلى الحكمة الحقيقيّة ونور العلم الذي ينبع من باطن الروح ، وفي أعلى مراتبه يربط الزاهد بعالَم الملكوت ، فيطّلع على أسرار الوجود [٢] . والزهد في مجال التكامل المعنوي يهيّئ الفرصة المناسبة لبناء النفس ، فيخلّص الروح من عبوديّة الهوى والهوس ، ويحبّب إليها الإيمان والعبادة ، ويقرّب الإنسان من خالقه ، وأخيرا يعرج به إلى ذِرْوة التكامل الإنسانيّ [٣] . ولا يقتصر دور الزهد على مجال المعرفة والتكامل المعنوي وحسب ، بل إنّ اطمئنان النفس واستقرار الحياة المادية رهن بالزهد أيضا ، والزهد يسهّل مشاكل
[١] راجع : ص٣٠٠ (قيمة الزهد / أحسن زينة) .[٢] راجع : ص ٣٠٧ (بركات الزهد / كمال المعرفة) .[٣] راجع : ص ٣٠٩ و ٣١٠ و ٣١١ (بركات الزهد / صلاح النفس وحلاوة الإيمان وصلاح الدين) .