الدنيا و الاخرة في الكتاب و السنة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٩
رابعا ـ الفرق بين الزهد الإسلاميّ والرهبانيّة المسيحيّة
عرفنا أنّ للزهد الإسلاميّ بُعدا باطنيّا وبُعدا ظاهريّا ، وأنّ الزاهد يشعر في داخله بعدم الرغبة في الدنيا ، ويظهر ذلك في الخارج أيضا ، وهنا قد يُطرح سؤال : على ضوء هذا التعريف للزهد الإسلامي ، ما الفرق بينه وبين الرهبانيّة المسيحيّة؟ ولماذا تنهى الروايات والأخبار بشدّة عن الرهبانيّة؟ [١] للجواب عن هذا السؤال نقول : إنّ الزهد الإسلاميّ غير الرهبانيّة المسيحيّة ، وإنّ هناك فرقا كبيرا بينهما ؛ إذ أنّ أهمّ مواصفات الزهد الإسلاميّ التي ترجع إليها سائر الخصائص الاُخرى ، هي أنّه يقوم على أساس المنطق والبرهان الواضح ، أمّا الرهبانيّة المسيحيّة فليس لها تبرير علميّ منطقيّ . إنّ الزهد الإسلاميّ ليس عدم الرغبة في مطلق اللذائذ الدنيويّة وغضّ النظر عنها ، بل هو ـ كما أوضحنا ـ غضّ النظر عن اللذائذ الضارّة وعدم الرغبة فيها ، أمّا الرهبانيّة المسيحيّة فهي تدعو الناس إلى غضّ النظر عن مطلق اللذائذ المادية . وبعبارة اُخرى : قسّم الإسلام اللذائذ الماديّة إلى قسمين : اللذائذ المفيدة ، واللذائذ الضارّة ، والزهد الإسلاميّ لا يشمل اللذائذ المفيدة ، وهذا عين الشيء الذي يدعو إليه العقل والمنطق . إنّ الإسلام لم يقل إطلاقا : إنّ على الإنسان غضّ النظر وترك اللذائذ المفيدة لحياته ، ولم يدعُ إلى عدم الرغبة فيها ، ولكيلا يشتبه مفهوم الزهد الإسلاميّ مع الرهبانيّة ولصيانة ذلك المفهوم من التحريف ، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله :
[١] راجع : ص ٧٥ (النهي عن الترهّب وتحريم ما أحلّ اللّه ) .